قبل أكثر من 15 سنة بالضبط قلت لأهلي : بأن المخابرات الأردنية هم قادة الفساد وهم شركاء لكل اللصوص في الوطن, وكان رد فعل أهلي وجيراني بأنني رجل مجنون وأهلوس هلوسة, ولكن اليوم أو البارحة بالضبط كلهم ذكروني في تلك السهرة التي اتهموني فيها بالهلوسة واعتذروا مني اليوم وقبلوا يدي وقالوا لي : حقك على راسنا من فوق انت صادق وكلامك صحيح 100% , لذلك غالبية المواطنين الأردنيين الآن بدءوا في الهلوسة مثلي فأنا أول رجل قام بثورة الهلوسة قبل الشعب الليبي لذلك كنت وما زلتُ أحارب من قبل الجميع أما اليوم فإن النظام الأردني أمامه ما يقرب من 4 ملايين أردني كلهم يهلوسون مثلي ومثل الشعب الليبي ودعونا بعد عناء طويل أن نأخذ محاضرة في (فن الهلوسة ) وهذا هو الفن الحقيقي الذي لا يعرفه إلا القلة من الناس والراسخين في العلم , فلربما سأل سائلٌ نفسه: كيف أبح فلان من الناس فجأة رجلاً ثرياً, الجواب واضح وهو الفساد, ولكن هل عرف أحد منكم حين جلس بينه وبين نفسه وهو يهلوس بأن جهاز المخابرات هو الشريك أو القائد الفعلي للفساد؟ وهو الذي يقرر لمن يعطي تلك الأموال التي جاءته من خلال مصادره المنتشرة في أجهزة البيرقراط الفاسد؟ المسألة بحاجة لأن نهلوس قليلاً لنعرف هذه الحقيقة فكيف بأناس حثالة وجرابيع ومتخلفين فجأة يبنون ناطحات سحاب في الأردن؟ الجواب واضح الدولة هي الشريك السري.
ونحن إذا هلوسنا بشكل فني ومضبوط نستطيع القول بأن الفساد لا يمكن مقاومته في الوقت الحالي ولكن من الممكن أن نصبح شركاء للمفسدين وبهذا نحل مشكلة الاحتجاجات, وتعالوا معي لنهلوس أكثر لنعرف أنه في كل بلد من بلدان العالم يوجد بداخله شرفاء ويوجد بين أزقته لصوص ويوجد على أطرافه مرتزقة ومتسلقون ويوجد وطنيون ويوجد حرامية ويوجد شعراء ويوجد فنانون ويوجد به عاهرات ويوجد به شريفات ويوجد به أناس مساكين ويوجد أناس دراويش طبعاً مثلي أنا ومثلك أنت أيها القارئ , ويوجد حيتان كبيرة متخصصة لابتلاع أسماك صغيرة , ولا يمكن أن نتصور أي دولة من دول العالم دون وجود هذه الفئات بداخله فهؤلاء هم البناء التحتي أو البنية التحتية لأي بلد ويوجد في أي بلد من بلدان العالم أناس يأخذون حبوب هلوسة يتخيلون أنفسهم بأنهم سلاطين وبأنهم نجوم لامعة, وبنفس الوقت هنالك أناس في أي بلد يهلوسون دون أن يأخذوا حبوب هلوسة هؤلاء هم الذين اكتشفوا حقيقة المخابرات والتي وظيفتها نشر ثقافة الفساد وهنالك أناس نائمون على آذانهم نوما عميقاً دون أن يأخذوا حبوباً منومة وهؤلاء الأناس سيصحون الآن ليهلوسوا , ويوجد في أي بلد أناس مساطيل وسكرانين من شدة العشق والهيام وغالبا من شدة الفقر والظلم والتفكير دون أن يشربوا مشروبات روحية ونحن أيضا في الأردن بحاجة لأن نأخذ حبوباً للهلوسة كالتي أخذها الشعب الليبي من أجل أن نصحو من حلمنا وسباتنا حتى وإن لم تتوفر لدينا حبوب هلوسة فنحن بحاجة إلى الهلوسة من أجل أن نعرف بأن من يقود عمليات الفساد في الأردن هم الأجهزة الأمنية ولها شركاء حقيقيون في كل الدوائر الحكومية وخارج الدوائر الحكومية فالأموال التي تتدفق عليهم من اللصوص يغسلونها بمعرفتهم مع بعض التجار الصغار في الأردن وهؤلاء هم وحدهم المعترف بهم رسميا كحرامية مرخص لهم السرقة ومُرخص لهم اقتسام السرقة مع الحرامية, ونحن نريد حبوب هلوسة للشعب كافة لكي يعرف الشعب بأن الفساد في المواقع التي تكافح الفساد ولنتصور أنفسنا بأننا أبطال نريد أن نعمل على محاربة الفساد أو على الأقل أن نكون شركاء في الفساد, فغالبية المتظاهرين لا يريدون في الأردن مكافحة الفساد بل يريدون أن يهلوسوا ليكونوا شركاء رئيسيين في الفساد المالي والإداري والسياسي فلماذا يقتصرون الفساد على شلة محددة بالضبط لماذا لا يدخلوننا ضمن دائرة المفسدين ؟ ليش يعني احنا ما بنغرفش نسرق أو نوكل حرام؟!!, وغالبية المكافحين للحرامية لا يريدون بأن يقضوا على اللصوص والحرامية نهائيا وبأن يعدموهم إعداما نهائيا فهذه البلد فعلاً بحاجة إلى الحرامية وإلى أللصوص الأكفاء فلولا الحرامية لمتنا من الجوع وأي دولة في العالم تجد فيها حرامية ولصوص ومافيات وعصابات وكما قال المثل العامي (كل عائلة ولها مصرف) و(كل دار لازم يطلع منها واحد هامل) ولكن الدار الأردنية كلها همل ولا يوجد فينا واحد إلا هامل فالأردن لا يمكن أن نتصور بقاءه بدون لصوص وحرامية, فبدون المفسدين سيكون منظرنا مخجلا ومخزيا ولا يشرفنا أبداً أمام الدول العربية الأخرى, وبدون متخلفين وجهلة سيكون أيضا موقفنا مخزيا أمام علماء السعودية فيجب أن نزين بلادنا باللصوص وبالحرامية وبالمفسدين فهؤلاء هم رجال الوطن وهؤلاء هم القيادات الحقيقية لمشروع إسقاط نظام الأردن نهائيا عمّا قريب.
وغالبية المعترضين لا يريدون للأردن في الوقت الحالي أن يكون خاليا من اللصوص نهائيا , بل يريدون بأن تتم عملية التوزيع بشكل منسق على جميع الحرامية دون استثناء فنحن نريد عدالة سياسية في ممارسة الفساد ونريد عدالة اجتماعية في إعادة توزيع المفسدين وكل سرسرية الأردن يريدون أن يكونوا شركاء للحرامية ويريدون أن يتقاسموا الغنائم سوية مع أنظمة الفساد الأردني ولكن للأسف أنظمة الفساد الأردني تصر وبشدة بأنها ستكون هي اللص الوحيد والحرامي الوحيد في البلد والفاسد الوحيد وهذا بصراحة لا يجوز فهذا معناه احتكار للسلطة نحن نريد تداول السلطة والفساد الذي فيها ولا نريد مقاومة الفساد نهائيا , وغالبية المعترضين على الذين يسرقون المستشفيات في الأردن والدوائر الحكومية هم أصلا لا يريدون أن يمنعوا تدفق هذه الأموال إلى دائرة المخابرات الأردنية , لاء, هم يريدون من الحرامية أن يدفعوا جزءا كبيرا منها لدائرة المخابرات ويريدون من المخابرات أن يحسبوا حسابهم في توزيع الغنائم وأن لا يكون التركيز مثلا في الأردن على إعطاء أناس معينين بعينهم يريدون من الحكومة ومن المخابرات أن يعطوهم كما يعطوا غيرهم أسوة بالذين يمنحونهم الأموال المسروقة ليغسلونها في الدكاكين الصغيرة والتي تتحول فجأة إلى دكاكين كبيرة وإلى مشاريع للإسكانيات العمرانية.
فطالما أننا لا نستطيع محاربة الفساد نهائيا ولا نستطيع القضاء على اللصوص قضاء نهائيا فأعتقد في الوقت الحالي بأن التوصل إلى اتفاقيات عادلة ومنصفة هي الحل لمجمل قضايانا المختلف عليها , فلماذا مثلا لا نتقاسم الغنائم المسروقة قسمة عادلة ؟ كما قال عادل إمام في فيلم (عديلة وبخيت ,ج1):"أنت النُص وأنا النُص) .
وأنت عزيزي القارئ إذا كنت فاضي أشغال وأعمال فبإمكانك أن تزورني في البيت لتتسلى أو لتقضي وقت فراغك معي..وأي إنسان لا يوجد لديه شغل أو عمل بإمكانه أن يشتغل في رسم صورة لي إذا كان فنانا..وبإمكان الكذابين والدجالين أن يكتبوا عني كثيرا من الأكاذيب إذا لم يجدوا أحدا في البلد يكذبون على لسانه..والله وكيلكوا الكل عاملني في البلد حكايته وسولافته , واللي مش املاقيله سولافه يسولف فيها بصير يحكي عن مقالاتي على الإنترنت واللي مش املاقيله شغل يشتغل بصير يطلع على باله يشتغل بي, حتى اليوم جاء أحد المصورين وطلب مني أن يورني بجانب مكتبتي ليكتب عني موضوعا شيقا لصحافة الجامعة ونظر في وجهي وقال: ابتسم صدقني راح يطلع أحسن موضوع..وقبل أسبوع اتصل بي أحد المذيعين على عمان أف أم وقال: الآن أنا فاضي وما عنديش شغل شو رأيك أعمل معك مقابلة إذاعيه؟؟؟ يعني أنا حكاية كل من ليس عنده حكاية وأنا قصة كل من ليس لديه قصة يكتبها أو رواية يحكيها للناس وأنا أولا وأخيرا شغلة أي انسان ما عندهوش شغل, يعني أحيانا أكون جالسا في البيت لوحدي وفجأة يدق جرس الباب وحين أفتح الباب أجد قريبا لي أو جارا يقول: والله شفت حالي فاضي شغل قلت خليني آجي على أبو علي, وعلى فكره كل اللي ما عندهمش شغل غيري في البلد كثر مش بس المخابرات, لا, كمان المواطن العادي المسالم الذي لا ليس له دخل لا في السياسة ولا في الثقافة وليس مشكلة عندي أن أكون شغل الناس أو شغل الذي لا يملك شغلاً ومش مشكله إذا (الفاضي بعمل قاضي) بس المشكله عندي صارت إنه كل واحد فاضي صار بده يشتغل بي والناس ما فيش ليها شغل إلا أنا , فلماذا؟ أعتقد السبب يعود إلى طيبة قلبي الذي لا يحقد على أحد وليدي التي لم ولن تؤذي في يوم من الأيام إنسانا , يعني الناس ما الهمش هذول اليومين شغل إلا أنا..وين بروح ووين باجي ومع مين بقعد..وكل واحد فاضي وما عندهوش شغل بيجي على حد باب بيتي قال على شان يسليني, بس هو بكون قصده مش هيك , هو بكون قصده شيء آخر ألا وهو إنه هو اللي بده يتسلى بي ويشتغل بي ويبلش بي .
وكل أقربائي وجيراني حين لا يجدون عملا أو شيئا يتسلون به فإنهم فورا يفكرون بي ليشتغلوا به أو ليلهوا به , حتى جابي شركة موبايلكم (أورنج) استفتح بي هذا الصباح بفاتورة الإنترنت فسألته شو اليوم جاي بكير؟ فقال: لا والله بس شفت حالي فاضي وبلا شغل فقلت خليني أشتغل في فاتورتك, فقلت له: يعني هو ما فيش عندك شغل غير أنا؟ يا أخي البلد مليانه ناس متهربة من دفع المستحقات والضرائب اللي عليهم ليش ما اتروح عليهم وتنساني هذا الشهر حتى يأتي ألله بفرجه, وبعد ذلك بساعة مررت بجانب السوبر ماركت فناداني صاحب السوبر وقال: اليوم شفت حالي فاضي وما عنديش شغل فقلت خليني أحسب ديونك فطلع عليك (..) فقلت له: يعني هسع انت إلك مصاري على كل أهل حارتنا ومع ذلك ما أجيتش تحسب غير ديوني أنا؟ يا زلمه روح شوفلك واحد ثاني اشتغل فيه غيري.
وبعد ذلك رجعت إلى الدار لأشرب القهوة مع أمي وزوجتي أمام باب الدار فسمعت صوتا مزعجا قادما من خلفي , فالتفت إليه وكان جاري (طارق) يطرق عامودَ الكهرباء بمطرقة حديدية : فقلت له: يا رجل شو هذا الإزعاج؟ فرد ضاحكا: والله اليوم متحير شو بدي أشتغل فقلت خليني أحاول تعديل الماسورة في عمود الكهربه تاعك, فقلت: شو مال العالم والناس والدنيا !! أي هو اللي ما بلاقيش شغل بيجي يشتغل بي؟ أي بديش أشرب قهوة نهائيا على باب الدارويلعن…, وحين دخلت الدار قالت لي زوجتي: والله متحيره اليوم شو بدي أطبخ شو رايك اتروح …على…, فقاطعتها قائلا: شو حتى كمان اللي مش عارفه شو بدها تطبخ اليوم صارت بدها تشتغل بي؟ شو رأيك تطبخيني؟
وحين جلست لأستريح في غرفة النوم أخذتنني الغفوة قليلا فرأيت خيال معشوقتي نانا وقد جاءت هي الأخرى لي في منامي , ويبدوا أنها هي أيضا اليوم فاضية أشغال وليس لديها أي عمل تقوم به بسبب سوء الأوضاع السياسية لذلك تركت كل الناس ولم تأت لأحد في منامه إلا لي أنا , واستيقظتُ على رنة هاتفي النقال وكان صديقي(مازن) هو الذي يرن ومنذ أكثر من شهر لم أتلقى منه اتصالا واحدا ولم يسأل عني فغالبية أصدقائي حين يعرفون بأنني بلا عمل يتجنبون المحادثة معي والسهر معي والجلوس معي ولا يتذكروني إلا حينما أكون أعمل, وفي هذه المرة استغربت من صديقي (مازن) كيف قد خطرت على باله رغم أنني لا أعمل , أمن الممكن أنه أيضاً فاضي أشغال؟؟؟.. وحين سألته هذا السؤال قال: ( آه.. والله بس شفت حالي فاضي لا شغله ولا عمله فقلت خليني أحكي معك وأعزمك على سهرة هيك نقعد فيها ) فقلت له : صدقني وأنت أكثر العارفين بأنني لا أحب الخروج ولا السهر خارج المنزل, فأنا طوال حياتي كلها لم أخرج خارج منزلي للسهر.. ولكنه أصر قائلاً : يا زلمه ما هو أنا اليوم فاضي أشغال .. فقاطعته وقلت له ماشي يا أستاذ على كيفك,ما هو اللي فاضي يعتقد إنه كل الناس فاضيه.
وبعد أن وضعت هاتفي على طاولة المكتب عاد ليرن مرة ثانية وهذه المرة كان رقما خاصا فقلت : يا ساتر أستر من أرقام الخاصة,وكان صديقي (جعفر) الذي انقطعت أيضا أخباره منذ ستة أشهر.. داعبني قليلا ومازحني كثيرا , وبالمناسبة صديقي هذا دمه من النوع الثقيل جدا والذي لا يستطيع أي أحد منا حمله أو الجلوس بجانبه وله رائحة زنخة جدا, والمثير في كل الموضوع اعتقاده بأن دمه خفيف جدا وهو يعتقد أيضا بأن ظله خفيف جدا وبأنه صاحب روح مرحه وحين مللت من مكالمته الطويلة سألته: شو اليوم خطر على بالك حتى تتصل بي؟ يا رجل من ستة أشهر لم أتلقى منك أي اتصال: فقال: ولا شيء..صدق ما في أي شيء مهم بس شفت حالي فاضي فقلت لازم أرن على أبو علي وأسمع أخباره , بشرفك ما هو دمي خفيف؟ فقلت له وتكاد مرارتي أن تفقع ووجهي يريد أن يتفجر منه الدم من الغضب: طبعا دمك خفيف وأحلى شيء فيك انك انت الوحيد اللي مستلطف حالك جدا وأجمل شيء فيك أنك الوحيد الذي لديه اعتقاد بخفة دمه ..شكرا على اتصالك.
وبعد أن وضعت التلفون على طاولة المكتب سمعت أولادي علي وبرديس ولميس يقولون: شو رايكوا انروح نركب على ظهر بابا ؟ أو على رقبته؟؟ , فصرخت بهم قائلا: شو لويش هو انتوا كمان اليوم فاضيين ومش املاقيين شغل وبدكوا تشتغلوا بي ؟ فقالوا :
علي: ما هو الكمبيوتر خربان فعلى شو بدي ألعب ؟ وانت فاضي وشغل ما عندكيش فخلينا (نلعب عليك) يا بابا .
فقلت له : هههه تلعبوا على أبوكوا يا اكلاب يا واطيين يا أنذال ..هذا اللي ناق بعد التربية والتعب ؟ آه هيك بصير والله العظيم حقك تركب على ظهري وتحكيلي هيش وحيه.
برديس: شو يعني أنا كمان ازهقت من التلفزيون وبدي أياك اتشيلني على ظهرك وتلف بي الغرفه كلها أو ابتوخذني على الملاهي ..
فقلت: لا الملاهي بدها مصاري وأنا مصاري ما معيش وعلى ظهري بتركبي بالمجان ..وكمان حقك..يعني لازم المساواة بين الذكر والأنثى , أي هو علي كاين أحسن منك في شو؟.
لميس: صارت تبكي قبل أن تنطق بأي كلمة..فقلت لها : لالالالا كله كوم وبنتي حبيبتي لميس كوم ثاني, أي يلعن أمي ويلعن أبوي إذا ما بشيلك على ظهري وبطوف فيك في كل غرفة من غرف البيت ..وحين حملتها وبدأت أطوف بها جاءت زوجتي من بعيد وهي تصرخ وتقول: يا زلمه أي هو اللي ما بلقاله مشغله بيجي يشتغل فيك؟ فقلت : والله الأردن كله هيك, حتى أولادي وجيراني وأقربائي وأمي وأخواتي وأخي وأولاد أخي وشباب الحارة , كلهم, جميعا اللي ما عندهوش شغل بيجي بصير بده يشتغل بي, وشركة الاتصالات والهكرات والمتخصصين بفصل الإنترنت , وكمان اللي على الشات بالفيس بوك بس يلقوا حالهم فاضيين بصير بدهم أدردش معهم على شان يتسلوا بي.
أعتقد بأن الناس تطرب جدا على أحزاني..وتطرب جدا على ذبحي, لهذا السبب يشتغلون بي حين يجدون لديهم وقتا من الفراغ يقتلونه معي.
أنت السبب
أنت السبب, هذه الكلمة أسمعها من أهلي منذ كنت صغيرا وأذكر جيدا بأن جدتي رحمها الله مليون رحمه كانت تقول بأن غنائي لفريد الأطرش وعبد الوهاب و(لميعة توفيق) وعزفي الموسيقي هو سبب دخول الشياطين إلى فناء منزلنا لذلك كانت جدتي تقوم بتبخير الدار من الشياطين ومني أنا , وصدقوني مرة من ذات المرات رأى أحد أقربائي في بيتنا الذي كان يتكون من غرفة واحدة, رأى أشرطة كاسيت لأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وكتابا لطه حسين فقال: استغفر الله هذا البيت كله شياطين وأضاف قائلاً: آه أجينا على مربط الفرس هذا الكتاب هو السبب, فكيف ألله بده يوفقنا وفي عندنا هذا الكتاب؟ فقال له اخوتي : هذا لجهاد فنظر وهو غاضب في وجهي وقال: (أنت السبب) …..وكلما أصابهم أي مكروه أو كلما ذهب أحدهم إلى أي دائرة حكومية وعاد خائبا يدعي على الفور بأنني أنا السبب , حتى وأنا نائم بالدار أكون سبب زحلقت أحدهم عن الدرج أو سبب تعرقله ودقوني واحد من أقربائي وهو يعمل في السعودية قال بأنني سبب تفنيشه من الشركة التي يعمل كان يعمل بها , والآن كل الخائبين والفاشلين تعلموا هذه الكلمة (أنت السبب) ..وحتى الذين يذهبون إلى الحمام ولا يجدون فيه ماء يدعون بأنني سبب انقطاع المياه عنهم ..وأنا أيضا كما يدعون بأنني سبب مشاكل عائلتنا فلولاي لأصبح أولاد أخواتي طيارون حربيون في سلاح الجو..ولولاي لأصبحوا من أعظم الرجال على وجه الأرض أما إذا أصابهم الخير فإنهم لا يقولون بأنني أنا السبب , فمن المستحيل أن يصيبَ القومَ الخير والعافية بسببي , فأنا مسئول فقط عن الشرور التي تلحق بهم جميعا, حتى الحظ النحس يدعون بأنني أنا سببه الأول والأخير والمباشر وبالنسبة للحظ السعيد فسببه سجادة أمي التي تُصلي عليها وطاعة زوجتي وصيامها لله في شهر رمضان, حتى أن أولادي حين لا يجدون أحيانا رسوما يدفعونها لرحلة مدرسية فورا تنظر بوجهي برديس ومن بعدها علي ويقولان: يا بابا من شان ألله صلي على شان ألله يرزقنا , والله انك سبب قطع رزقنا.
فهؤلاء الأولاد من الذي يعلمهم هذه التعاليم إلا وزارة التربية والتعليم ..و كل ما يحصل لأولادي مكروه تتهمني أمي وزوجتي بأنني السبب فتقولان لي (أنت السبب) السبب أنت ومقالاتك الكافرة واللعينة , وإذا ارتفعت حرارة برديس مثل ليلة الأمس فورا تتهمني زوجتي بأنني السبب وإذا سقط علي كالشهر الماضي وجرحت قدمه جرحا عميقا أكون أنا السبب بنظر أهلي فهذا عقاب لي من ألله , ولكن إذا شفيت برديس من حرارتها طبعا كل شيء من الممكن أن يكون سببا في شفاءها ما عدى أنا ….وإذا حصل لهما شيء يسرُ البال والخاطر والنفس والقلب والروح تقول زوجتي أن ذلك بسبب أيمانها وبسبب تمسكها بالدين وبالصلاة وبالصوم لله, وتقول زوجتي وأمي بأن كفري وعنادي وإلحادي وأفكاري الشرانية هي سبب فقرنا وسوء حالنا وغضب الله علينا فكلما تراكمت علينا الديون ورفض أصحاب المحلات التجارية إعطائي مواد تموينية بالدين وبالتقسيط تقول زوجتي وأمي بأنني أنا السبب , ولكن كلما رأت زوجتي بصيص نورٍ يلمع من بعيد ونافذة نطل منها على الفرج القريب فورا تدعي بأن ألله ييسر لي ليس لأنني على صح وهي على غلط ولكن رحمة بها وبأولادي وبسبب إيمانها بأنني على خطأ , وكل ما يحصل لنا في البيت من سوء ومن شر تقول لي (أنت السبب) وإذا أصابنا خير تكون هي وأمي سبب هذا الخير أما إذا أصابنا مكروه فطبعا أنا السبب والمُسبب له.
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فلو كان الأمر محصورا في المنزل لكان بالنسبة لي أمرا عاديا ولكن المشكلة أن جميع أفراد عائلتنا الذين مثلا لا (يتوفقون) في وظائفهم يدعون بأنني (أنا السبب) فيقولون (كله من تحت راس جهاد يا سقا الله واحنا خالصين من شره) وإذا أصاب أحدهم خيرا فإنه يدعي الخير وسببه لمُتسببٍ آخر طبعا إلا أنا فمن الممكن أن يكون واسطة أو محسوبية أو توفيق من ألله وليس مثلاً لأنني رجل مناضل أناضل من أجل السعادة والرفاهية فأي شيء يحصل لأي أحد من عائلتنا أكون أنا سببه إذا كان شرا ولا أكون سببه إذا كان خيراً.
والأمر هنا لا يقتصر أيضا على أقربائي من الدرجة الأولى فأيضا القرابة من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة حتى العاشرة أيضا يدعون مثل هذا الإدعاء فيقولون بأنني أنا سبب مشاكل العائلة ولو أن أفكاري كانت متخلفة لكانوا هم الآن في مقدمة من يقود البلد نحو السعادة, وفي آخر انتخابات نيابية جاءني إلى البيت مجموعة من الشباب الجامعيين وقد طلبوا مني أن أكتب مجموعة خطابات حماسية للمُرشح الذي اقترحته عشيرتنا الموقرة المُكونة من 10 آلاف رجل وامرأة, فقلت لهم: أعذروني عشان بُكره إذا رسبتوا ما تحكوش إنه أنا السبب مثل المره اللي فاتت, فخليني بعيد عنكوا أفضل لي ولكم, وفي النهاية سقطت العشيرة فكانت الدعاية تقول بأنني لست السبب ولكن أتحمل بعضا من المسئولية, وصدقوني لو نجحوا لكانوا هم السبب وليس أنا, حتى الذي يأمل بأن تعينه الحكومة وزيرا ولا يحصل على كرسي الوزارة تجده يقول: هو جهاد وأشكاله في البلد وبدنا انصير وزراء؟.
وهنا لا تتوقف المسألة عند أقربائي من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة ولكن أهل القرية كلهم يدعون بأنني أنا وأمثالي من الذين يكتبون في الحوار المتمدن ومن علمانيين ويساريين هم سبب تخلف الأمة وانتشار الفساد في البر وفي البحر فلولانا لقامت دولة الخلافة الإسلامية.. ولولانا لوفق ألله أهل قريتنا , والموضوع صدقوني لا يتوقف عند هذا الحد فإمام المسجد أيضاً يدعي بأنني أنا وأمثالي سبب غضب ألله علينا فالله قد غضب على الأمة وعلى أهل القرية بسبب وجود أمثالي بينهم فأنا على حسب رأي الشيخ سفيه والمعجبون بي سفهاء والمعجبات بي سفيهات وحبيبتي (نانا) يقولون عنها بأنها سيدة العاهرات يوم القيامة ونحن سبب تخلف الأمة منذ أن ولدنا ولولانا لأصبحت الأردن من أعظم دول العالم بل ولولانا ولولى وجود أمثالي لكانت الأردن دولة لا تغيبُ الشمس عن مستعمراتها ولكن للأسف وجود أمثالي من السفهاء والكفار هو سبب بلاء الأمة, ولكن لاحظوا معي إذا أمطر الله علينا فسيكون السبب الشيوخ الرُكع والأطفال الرُضّع , ونحن شعب عظيم جدا في تركيب الكلمات ذات السجع ,قال: شيوخ رُكّع وأطفال رُضّعْ.
والأمر أيضا لم يعد يتوقف عند هذا الحد فهنالك أراء تقول (أنت السبب) يا أبو علي فلولاك لما وصلت الأمة إلى هذه الحالة من التردي ولولاك يا أبو علي لما انحبست الأمطار عن الأمة,وحين غرقت جده بالطوفان قال أحد الشيوخ أن السبب غضب ألله على الناس ولم يقل ذلك المعتوه بأن العمارات قد حبست الماء عن شاطئ البحر وعدم وجود قنوات لتصريف مياه السيول … وسمعت آخر مرة شيخ الجامع في خطاب مثير له وأنا أجلس تحت أشجار الزيتون: بأن دعاة الحرية والديمقراطية هم سبب الغزو الصهيوني لنا وهم سبب التدخل الأمريكي في العراق ونحن أشد خطرا على الأمة من إسرائيل ومن أمريكيا,وبعض الرجال الطاعنين في السن من أقربائي حين يسمعونني أتحدث فورا يصرخون في وجهي وهم يقولون: منشان ألله تسكت خلي ألله يشتي علينا..أُسكت على شان الأسعار تنزل..أنت وأمثالك سبب الزلازل والغضب الذي يرسله ألله على الأُمه..منشان ألله تسكت خلي ألله يطرحلنا البركه هذه السنه في عصير الزيتون ..منشان ألله إنك اتغيب عن وجوهنا على شان الشمس تطلع علينا والقمر ما يغيبش..حل عنّا يا أبو علي على شان ألله يرحمنا برحمته..أنت السبب.
طبعا والمتبأ بالأرصاد الجوية حين يعرف بأنها ستمطر بعد عشرة أيام , يخبر الحكومة بذلك فتطلب الحكومة تحديد موعد لصلاة الاستسقاء قبل أن تُمطر بيوم واحد , فيحضر الصلاة كبار اللصوص والحرامية وعلى رأس رئيس الحكومة والبرلمان , وحين تمطر في اليوم التالي تصبح عندهم قناعة بأنهم هم سبب الخير الذي عم البلاد .
رجل مهم
لستُ الرجل الوحيد في حارتنا وقريتنا ومدينتنا , ولكنني أستطيع القول بأنني أهم رجل في الحارة والقرية والمدينة, فلا يوجد أي شخص له أهمية تضاهي أهميتي أو وجودا يضاهي به وجودي بينكم ويا سبحان ألله !! لي تأثير كبير على قلوب الشعب , فالشعب كله يحبني ولا يستطيع التخلي عني ولهذا السبب سأضحي بروحي من أجل بقاءه واستمراره على قيد الحياة فكما هو معروف إن متُّ أنا فهذا معناه بأن الشعب كله سيموت معي أو قبلي ..فهل تعتقدون بأنني لا أعمل أي شيء كما تقول عني بعض وسائل الإعلام ؟ أو كما تشيع الإذاعات الصهيونية الحاقدة بأن وجودي وعدمه واحد ولا أشتغل في أي شيء؟لا أنتم مخطئون جدا أنا أهم رجل قيادي في حارتنا ولولا وجودي لقتل الناس بعضهم ,وفي المستقبل طبعا ومن أجلكم جميعا سوف أجعل ولدي (علي) من بعدي يقوم بنفس الدور الذي كنت أقوم به أنا فأنا قد أعددته على أن يحافظ عليكم من خلال تواجده بينكم كما كنتُ أنا وطبعا المخلصون من أهل حارتنا هم من يعرف قيمتي ومكانتي العظيمة ولا يعرف الباقون من أهل حارتنا بأنني رجل مهم جدا ولا في الأردن على الأقل إلا حينما أتغيب عن الحارة لساعة أو لساعتين أو ليوم واحد أو يومين أما أكثر من ذلك فإن الجرائم تنتشر والسرقات تنتشر وحبوب الهلوسة تتكاثر والأعمال تتعطل ولا أحد يستطيع الخروج من باب داره إلا حينما أعود إلى الحارة وإلى القرية , فأنا أمسك ثقب الأوزون بيدي وأمنعه من الاتساع أكثر, وأنا أتحكم بمصدر الجاذبية للكرة الأرضية في حارتنا لأن الجاذبية تنعدم حينما أتغيب عن حارتنا ولولا وجودي في حارتنا لحصلت لا سمح ألله كارثة عالمية أو بيئية في محيط قريتنا, وقبل أسبوع غادرت قريتنا إلى العاصمة عمان فحصل حادث سير مروع أمام باب بيتي أي في نص حارتنا ولكن قبل أن أغادر إلى عمان ما حصل أي حادث سير أمام باب بيتي وفي وسط حارتي فمنذ أربعين عام لم يحصل أي حادث سير على باب منزلي أو في حارتنا والسبب طبعا معروف وهو تواجدي الدائم والمستمر في الحارة, وقبل يومين خرجت من حارتنا إلى قلب مدينة اربد فماذا حصل؟ طبعاً أكثر من ثلاثة قطط وافهن الأجل أو بتعبير آخر أكثر من ثلاث قطط فطسن من شدة الجوع أو من شدة المرض وكذلك المطر توقف عن السقوط في محيط حارتنا ولكن حين كنت متواجدا في الحارة كان المنخفض الجوي كبيرا وعميقا جدا لدرجة أن الأمطار ظلت تتواصل في السقوط لمدة أربع وعشرين ساعة وحين ذهبت إلى اربد وخرجت من الحارة ومن القرية بكاملها توقف المطر عن السقوط ذلك لتعرفوا يا بهايم ويا حمير ويا جرذان أن وجودي مهم جدا في حارتنا ولولاي لعمت الفوضى فأنا سبب الأمن والاستقرار فأذكر قبل 4 سنوات بأنني خرجت من قريتنا لزيارة شقيقتي في محافظة اربد فحصلت أثناء غيابي عن الحارة والقرية جريمة قتل وأعمال شغب وفوضى ذهب ضحيتها أكثر من عشر عائلات تشردوا وتفرقوا وتشتتوا وأذكر قبل سنة على الأقل حين خرجت من باب الدار إلى محافظة إربد رن موبايلي وكان المتصل أحد أقربائي الذي أخبرني بأن رجلا من قريتنا أطلق الرصاص على جاره وأرداه قتيلا فقلت له: يا رجل أي هو بس أنا أطلع من باب الحارة فورا تعم وتنتشر الفوضى في كافة أرجاء القرية والحارة ؟.. طيب ليش ما قتله وأنا موجود في الحاره ؟ أي هو أنتوا ما ابتعرفوش أن تديروا أنفسكم ولو لساعة أو لساعتين, وقفلت عائدا فورا وحين رآاني الناس سألوني عن سبب استعجالي فقلت لهم مالكوا مش سامعين وسائل الإعلام أنا والناس لي معهم أربعين سنة لم يقتل فيها أحدٌ أحدَ ولكن مثل ما أنتوا شايفين هذا نتيجة غيابي عن الحارة , لمين بدي أتركهم هذول؟ والله غير بكره يذبحوا بعض وتصير حارتنا مركز للقاعدة ولأبن لادن بدي أروح لاحتواء الأزمة وبمجرد وصولي عاد الوضع إلى طبيعته رغم أنني لم أفعل أي شيء ولكن يكفي أن يكون وجودي هو سبب الأمن والاستقرار في كافة أنحاء الأردن والله يحفظني من كل سوء, وأي شخص يحاول إسقاطي فهذا معناه بأنه يحاول إسقاط الحارة والقرية بأكملها , فإذا متت لا سمح ألله أو هاجرت إلى قرية أخرى فسيأكل أهل حارتنا بعضهم البعض وسيقتلون بعضهم وستنتشر العصابات المسلحة فقبل شهر على ما أذكر ذهبت في زيارة لأحد أقربائي في مدينة (الزرقاء ) فماذا حصل؟ حصل ما كنتُ أنا وكل الخبراء نتوقع حصوله حيث سطا بعض البلطجية على منزل أحد الجيران وخلع النافذة وسرق محتويات المنزل علما أن ذلك المنزل منذ أربعين سنة لم يتعرض للسرقة على الإطلاق وتعود ملكيته لرجل مسيحي من عائلة (حداد) طبعا والسبب معروف جدا وواضح وهو تواجدي في محيط القرية والحارة يمنع تلك العصابات من الانتشار, وقبل أسبوع قلت لأهل حارتنا أريد أن أتغيب عن الحارة لساعتين فقط لا غير وأُريد منكم أن تحافظوا على بعضكم وأن تستوصوا ببعضكم البعض خيرا, وما أن غبت مدة نصف ساعة عن المشهد العام في حارتنا إلا والتلفونات قد انهالت عليّ أن أحضر حالا وحين حضرت وجدت عركة وهوشة في نادي البلياردوا الذي في حارتنا وكان الشباب يتعاطون حبوب الهلوسة وبمجرد أن وطأت قدمي أرض الحارة عاد الأمن والنظام واصطلح كل المتخاصمين مع بعضهم البعض دون أن أدخل في الموضوع لحله ولكن فقط وجودي هو الذي يعمل على فك النزاعات .
فوجودي يا طويلين العمر مهم جدا لأنني الحاكم العادل حتى وإن سرقت حتى وإن بطشت بكم أو ظلمتكم بمقالاتي فالأمن ضروري جدا للأردن ولولاي لقتل الناس بعضهم البعض على أتفه الأشياء ولولا عصابة اللصوص والحرامية التي أديرها لسرق الناس حارتكم ولجاءكم حرامية ولصوص من القُرى الأخرى ونهبوكم , افهموني يا جرذان والله ما بديش غير مصلحتكم وبالنسبة للخير اللي في الحاره خلص ما عادش بدي إياه أخذوه كل واحد فيكوا يوخذ برميلين كاز ويبيعهن بمعرفته وهو حر بفلوسهن , أنا أحل وأفك أقوى الخصام على أتفه الأسباب ووجودي ولو بشكل صوري في الحارة مهم جدا ويجب أن تعرفوا قيمتي المعنوية والمادية وأن لا تشتموني وأن لا تسبوني وأن لا تعتدوا على شخصي بأي كلمة تجرح مشاعري الرقيقة ويجب أن تعملوا على بقائي بينكم وأن تمنعوني من الرحيل إذا غضبت يوما منكم فوجودي مهم جدا وأنا رجل مهم جدا وخطير جدا في خط الوسط وأنا خط الدفاع الأول وخط الهجوم الأول وأنا نقطة ارتكاز الكون كله لأن جدي كان مباركا جدا وجدتي كانت أيضا مباركة جدا, وأرجو منكم جميعا أن لا تستهينوا بالموضوع فأنتم جربتم غيري أو غيابي عدة مرات وفي كل مرة كانت النتائج غير مرضية لكم على الإطلاق, حتى على مستوى الزواج والطلاق يحدث ما لم نكن نتوقعه أو أتوقعه أنا في حالة غيابي , فقبل عام خرجت من الدار لزيارة صديقي (مصباح ) في مأدبا وحين عدت في اليوم التالي وجدت (طارق) قد (طلق) زوجته علما أنه وهي يختصمون في كل يوم ولا يطلقها ولا هي تطلب منه الطلاق ولكن بمجرد أن غبت ليلة واحدة عن الحارة تطلقت المره من زوجها وخربت الدنيا والأولاد تشتتوا وتشردوا , وقبل شهر حين خرجت من الحارة في زيارة خاطفة ومستعجلة هبة عاصفة شديدة استطاعت تلك العاصفة أن تقلع شجرة السرو التي في حارتنا علما بأنه منذ أربعين عاماً لم تهب أي عاصفة حتى وإن هبت العواصف فإنها لم تقلع أي شجرة من أشجار الحارة ولكن وللأسف بعض الرياح تتجرأ على تغيير معالم حارتنا وشكلها بمجرد أن أتغيب عنها ليوم أو ليومين .. والله صدقوني ما أنا عارف بكره لا سمح الله عن جد شو بده يصير في هذول الناس المساكين إذا طالب أحد برحيلي ليعمل على خلق الفتن والفوضة في الحارة فهنالك مؤامرات من الحارات المجاورة تقودها الموساد يريدون إسقاطي من أجل أن تعم الفوضى والخراب والدمار في الحارة فهنالك مؤامرة على الفيس بوك يطلقها بعض الأعداء تندد بي وتطالب برحيلي ولكن أهل حارتنا ورجال حارتنا البواسل كلهم يريدون جهاد أن يبقى في الحارة لكي لا يموت أحد ولكي لا يجوع أحد ولكي لا يشعر أحد بأنه مضطهد فأنا الحق وأنا الطريق وأنا أكثركم شجاعة وأنا قائد ثورة مجيدة ولست رئيس دولة لأستقيل أنا وجودي فقط لا غير أهم جدا من سطوع أشعة الشمس أنا الظاهر وأنا الباطن وأنا الأول وأنا الآخر وأنا الأبيض وأنا الأسود .
حتى نضحك على شكل العربي الليبرالي ليس شرطا أن يكون شكله مستوحى من التراث أو أن يكون شكل الرجل العربي الليبرالي مستطيل الشكل أو بمربع الشكل لكي نضحك عليه ونجعله موضوعا للسخرية أو أن يكون وجهه يشبه المنشور الزجاجي وآذانه تشبه سماعات الجامع وحتى يكون مضحكا ليس شرطا رأسه أن يشبه (دلو الحلاوة) وليس شرطا لازبا(لازما) حتى يكون مضحكا أن يتناسب شكله مع تلك الأشكال الهندسية وغير الهندسية ولكن يكفي أن نعرف رأيه بالمرأة وبالأحزاب السياسية حتى نموت عليه من الضحك حين نتصوره وهو ناشط حقوقي مدني ويتزوج من ثلاث نساء وكله كوم وقول غالبية الليبراليين بأن المرأة لا يجوز أن تاخرج متبرجة أو درها مكشوف فهذا مخالف للإسلام وهذه ليست حرية بل دعارة وهنا يقع المسكين في أزمة تمييز ألوان إذا لا يميز بين الأبيض والأسود وبين نهد امرأة وحبة جوز الهند والرجل المسلم العربي الليبرالي كوم آخر ومنظره يصلح لأن يكون كاريكاتورا مضحكا وخصوصا حين يتحدث عن السياسة وعن حرية الرأي والتعبير فأنا شخصيا يُغمى عليّ من الضحك حين أتناقش بالصدفة مع رجل عربي مسلم ليبرالي يقول بأن الحرية أساس العدل والمساواة ويجب أن تنتشر الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية وُتفاجأ وتموت من الضحك وهو يقول بأن الإسلام هو الدين الصحيح وبأننا يجب أن نحافظ على الإسلام وأن نحارب الأفكار غير الإسلامية, وتخيلوا معي بأنه يريد مثلا منع المثليين الجنسيين من ممارسة حقوقهم , فكيف هذه الليبرالية وما شكلها؟ وتخيلوا معي بأنه يريد محاربة كل ما هو مخالف لعاداتنا وتقاليدنا !! فما هو شكل الليبرالية التي يدين لها بالولاء وبالانتماء وبالمحبة!!, فأقول له وأنا أضحك جدا : إذا لماذا نفتح أحزاب ومؤسسات مجتمع مدنية ومنظمات حقوقية فعن ماذا تدافع المنظمات الحقوقية إذا كان كل شيء بنظركم حرام والحرية الشخصية حرام والتعبيرية حرام ؟ ومن سيدخل الأحزاب السياسية إذا كان الإسلام هو الدين الوحيد الذي على صح وباقي الناس على غلط؟.. أنا ما بحش أشمت بالناس , بس بحب أموت من الضحك على منظر المرأة العربية المسلمة التي تقول بأنها ليبرالية محافظة يجب أن تحافظ على عادات الإسلام وتقاليده وخصوصا إذا وجدتها في المدن الريفية تترأس اتحادا نسائيا تلبس في الصيف معطفا شتويا وتضع قدما على قدم لتقول بأن الإسلام كرم المرأة وأعطاها حقوقها بالكامل , فأقول لها : إذا لماذا لا تجتمعين بالنساء في مسجد للصلاة ؟ ولماذا أنت وهن هنا؟ هذا المكان لا يناسبكن, وما يناسبكن هو مسجد للصلاة أو ندوة فكرية يلقيها عليكن في باحة مسجد رجل سلفي من خلف حجاب وأنتن تستمعن وتتساقط دموعكن أسفا على عصر خديجة وعائشة الذي لم ولن يأتي على الأمة مثله, ومن ثم تقلب على ظهرك للخلف من شدة الضحك حين تستمع لرجل عربي يقول عن نفسه بأنه هو أبو الليبرالية وبنفس الوقت يجب أن لا تخرج المرأة من بيتها بدون إذن ويجب على الحكومة أن لا تسمح للمرأة العربية دخول شبكة الفيس بوك أو الجوجل لوحدها لا سمح ألله إلا بوجود مِحرم معها يكون على الأغلب :أخوها أو أبوها أو زوجها, وتكاد أن تموت يا عزيزي القارئ من الضحك حين تستمع لرجل عربي ليبرالي رفض الزواج من ليبرالية مثله حين اكتشف أنها قبل عشر سنوات كانت تعشق رجلا آخر ولها تجربة عاطفية, وأكاد أن أقع على الأرض مصدوما من الرجل العربي الليبرالي الذي يرفض الزواج من امرأة ليبرالية لها تجربة جنسية مع أحد أصدقاءها , من هنا يجب أن نعرف مدى التخلف الذي وصلنا إليه , فتخيلوا امرأة لها تجربة جنسية تعتبر في مجتمعنا عيبا أخلاقيا؟ يا للهول ويا للصدمة وخصوصا حين تعرفون بأن المتحدث هو الناطق الرسمي على لسان الليبرالية العربية, والله هزلت يا إخوان. أي احنا وين والليبرالية وين!! الليبرالية التي كان المضحون الأوائل من أجلها يضحون بشرف العائلة هكذا تصبح في ليلة وضحاها على يد مجانين عرب ليبراليين !!.
وأجمل منظر مضحك هو منظر الرجل العربي الذي يتحدث عن ليبراليته المتقدمة على ميكيافيلي ومنظري المجتمع الكتلي الصناعي, وأجمل منظر يجعلك تموت من الضحك وأنت تشاهده هو الرجل العربي المسلم الليبرالي الذي يتحدث عن الليبرالية, لا, والأنكى من ذلك كله هو منظر الرجل العربي المسلم الذي يتحدث عن المرأة العربية وحقوقها في الإسلام, وأكاد أن أموت من الضحك وأنا أستمع لرجل عربي مسلم يقول عن نفسه بأنه ليبرالي وبأن أخته التي تلبس الجلباب وتقف إلى جواره ليبرالية محافظة إلى أبعد الحديد, وأفضل منظر بطققك من الضحك عزيزي المستمع والمشاهد هو أن تستمع لصوت رجل عربي يتحدث عن دور مؤسسات المجتمع المدني للنهوض بالأمة وتشبيك تلك العلاقات ضمن الحدود والضوابط التي نص وينص عليها علماء السنة وأهل الفضل, والأحلى من كل ذلك الرجل العربي المسلم حين يقول لك بأن الليبرالية ضرورية ومؤسسات المجتمع المدني ضرورية شريطة أن يشرف عليها الشيوخ الأفاضل من أهل العلم والدراية.
وبعدين ولا قبلين والحاضر أحلى من الدين واللي ما معهوش خبر أو الحاضر يعلم الغايب عن منظر ومشهد الرجل العربي المسلم الذي يقول لك بأنه ليبرالي جدا حتى النخاع ومتفق جدا مع التوجهات الليبرالية وفي نهاية حديثة يصدمك بقوله الإسلام صالح لكل زمان ومكان, ساعتها بتصير بدك تفقع من القهر على غباءه أو على ليبراليته التي تورط بها , وبعدين ولا في أجمل من المرأة العربية وهي تتحدث عن النظام الإسلامي الذي كرم المرأة وأعطاها حقوقها وجعلها في بيتها ملكة وأميرة وإمبراطورة وفي النهاية تقول عن زوجها الذي تزوج عليها (إنشاء الله يا رب إنه يموت).
الأردن وطن الأحرار
لو لفينا العالم كله مش راح نلقى بلد مثل بلدنا مشهور بالحرية الفكرية والسياسية والثقافية, ولم يسبق لهذا البلد أن تجرأ أحد بأن يكشف به عن ملفات أمنية كانت وما زالت موجهة ضد المثقفين لتشويه صورتهم فالحرية طبعا لا تسمح بذلك ولا تسمح لأي منظمة أن تتدخل بالأجهزة الأمنية ويستطيع رئيس الوزراء الأردني أن يفعل ما يشاء بكل حرية ولا يستطيع أي أحد محاسبته أو مناقشته ومنذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1920م إلى اليوم لم يسبق بأن تجرأ أحد على إقالة رئيس حكومة أو محاسبته على فساده أو على ارتكابه لجرائم سياسية تضر بالمال العام, وبصراحة: هل هذا معقول!! هذا معناه أننا بلد الحرية والديمقراطية , فهل من المعقول أن لا تثبت أي قضية فساد داخل الأردن خلال قرن كامل؟ طبعا هنالك قضايا فساد تم كشفها مثل عامل نفايات سرق كيس واحد أو كيسين من النفايات فتشكلت له لجنة تحقيق وتم طرده بتهمة مد يده إلى المال العام .. فهذا البلد هو بلد الحرية والديمقراطية التي يستطيع فيها المسئول فعل ما يحلو له ولم تسجل خلال 90سنة أي حادثة يحاسب فيها شرطي أو موظف بسيط أو كبير فكلهم والحمد لله أحرار لا يستطيع أي أحد محاسبتهم, وهذه نعمة من ألله منّ بها على هذا البلد الحكيم بفضل قيادته الحكيمة أيضا فأين سنجد بلدا حرا مثل بلدنا؟ لا في السعودية ولا في الكويت ولا في القاهرة ولا في السويد ولا في النرويج لا ولا حتى في أمريكيا أو في باريس بلد (ديغول) .
احنا في الأردن بلد الحرية التي يستطيع فيها أي مسئول سياسي أو إداري أن يفعل بالبلد ما يشاء فعله دون أن يتدخل أحد به, فالشرطي يفعل بك وبي ما يشاء, والطبيب يفعل ما يحلو له, وعامل النفايات يتكلم معك وكأنه وزير الشؤون البلدية والقروية والبيئة, واللحام يستطيع أن يذبح ما يريده وما يشاءه.. وأصحاب الدكاكين الصغيرة والكبيرة يبيعون بالأسعار التي تعجبهم , لذلك نحن بلد الحرية , ولا نريد أي تدخلات أجنبية خارجية تحد من حرية الوزير أو لتحد من حرية الشرطي أو حرية موظف تافه في وزارة الثقافة الأردنية التي من أهم وظائفها الإساءة للمثقف الأردني وللثقافة الأردنية على حسب مزاج الموظف ولا نريد أي تدخلات أجنبية مثلا تحد من سلطة موظف الوزارة لأننا نريدها وزارة حرة وأبيه على مكافحة أجهزة الفساد ومنظمات حقوق الإنسان العالمية, نحن بلد الحرية في الأردن ولا أحد يجرؤ أن يسأل الحاكم فيها عن نوع الحكم أو نوع السلاح الذي يهددنا به ولا يستطيع أي أحد أن يسأله عن نوع البنطلون الذي يلبسه أو نوع الحزام الذي يضرب به الناس واليسار, ولا يستطيع أحد أن يسأل الحاكم الأردني أين ذهب المثقفون؟ ولماذا الأردن خاليا من المبدعين؟ وأين هي الطبقة الوسطى؟ فتخيلوا معي ابادة جماعية للطبقة الوسطى بكاملها ولا يستطيع أحد أن يسأل عنها من أبادها وأين ذهبت ومع من ذهبت وأين سنجدها اليوم لو أردنا استردادها , وكيف مات أو مات بعضهم في حوادث غامضة لأن السؤال أو مجرد السؤال يعتبر بحد ذاته تعديا صارخا على حرية الحاكم , فالحاكم حر يفعل ما يريده بالشعب الأردني المسكين الأعزل من السلاح ومن الخبز..ومن القلم..والأعزل من الصحافة الحرة والكاتب الحر والقلم الحر..ونحن في الأردن لسنا أفضل دولة في العالم من ناحية الحرية والديمقراطية ولكننا متقدمون بعض الشيء على إسرائيل وعلى بعض الدول الأوروبية وعلى غالبية الدول العربية,ويستطيع المسئول الأردني تفتيت مرارتك دون أن يرسل بك إلى أي مستشفى لاستئصالها ففي كافة دول العالم يذهبُ الناس فيها إلى المستشفى مثلا لستئصال المرارة أو الزائدة الدودية إلا بلدنا والحمدُ لله تتفتت فيها مرارتك (من اللي بتشوفه) فيكفي أن تشاهد تصرفات الموظفين الحكوميين الأردنيين حتى تشعر بأن مرارتك قد تفتت , والأردن الدولة رقم واحد في العالم من حيث السرقات الفنية كما تفعل ذلك فيها شركة أورنج للاتصالات فأكثر من عشرين مرة أرسلت لهم زوجتي وأنا رسالة بأن لا يرسلوا لها رسائل خدماتية يقتصون بواسطتها عشرة قروش على كل رسالة وفي كل مرة يقولون , شكرا استلمنا الرسالة, ولكنهم يعاودون إرسالها مرة أخرى وخصم عشرة قروش وبذلك تستطيع شركة أورنج الأردنية أن تصيب حنجرتك بالتهابات حادة وخصوصا في (اللوز) دون أن ترسل لك أي منخفض جوي… ويستطيع رجل المخابرات الأردني مطاردتك في كل مكان تذهب للعمل به ولا يضطر لسجنك ولا يعتقلك ولكنه كما قلنا يحق له خنقك في كل الشوارع وفي كل الميادين التي تذهب إليها طبعا ولا يحق لأحد أن يسأله لماذا تفعل ذلك أو كيف تفعل ذلك لأن السؤال اعتداء على الحرية وحقوق الإنسان , فنحن وبحمد الله في الأردن نعيش بألف نعمة من ناحية الحرية فيستطيع في الأردن أي مسئول أن يوجه لك أي إنذار إذا كنت موظفا حكوميا دون بيان الأسباب ولا يعتبر هذا تعديا على حقوق الإنسان ولكن سؤاله عن فعلته والاعتراض عليه هو الخنق الكامل لحقوق الإنسان لذلك دأبت الحكومة الأردنية تحويل أي مواطن أردني إلى قضية أمن دولة في حالة اعترض على عمل أي موظف حكومي والأردن بلد الحرية وبلد ال 100ألف موظف حر ويستطيع فيها الطبيب أن يفعل ما يشاء في المريض فيحق للطبيب تعليق المريض من أرجله أو من شعر رأسه ويستطيع غسل دماغه أو فتح كرشه بالسكين ويستطيع…ويستطيع… ولا يحق للمريض أن يسأل الطبيب أو أن يعترض على أي شيء يفعله الطبيب فالاعتراض معناه الهجوم على حرية الطبيب , والأردن بلد الحرية ووضعنا من ناحية الحرية أفضل بكثير من سوريا ومن بيروت ويستطيع عندنا الشرطي أن يسجنك أو أن يسيء إليك وأنت تمشي في الشارع ولا يحق لك أن تعترض عليه لأن الاعتراض فيه إساءة لحرية الشرطي الشخصية, ونحن كأردنيين بحمد ألله ورعايته في بلد الحرية تلك أو هذه البلد التي يستطيع فيها أي فقيه أن يجلدك من على ظهر أي منبر ديني خطبة عصماء تستمر لساعة أو لساعتين دون أن يحق لك الاعتراض على أي كلمة فلا يجوز مصادرة حرية الشيخ وهو يخطب فهذا اعتداء على حقوق الإنسان وعلى إرادة الله التي هي وإرادة الحاكم أقوى من إرادة الجماهير.
أنت منذ اليوم أردنيٌ يصنع الزلازل حيت يمشي تحت قدميه ويثير بمشاعره البراكين وينفجر في وجه كل ظالم..أنت منذ اليوم أردني لم ترسمه يد رسام ولم تحفره أي فأس ولم يراهن على نجاحه أي مراهن..أنت منذ اليوم لن تبقى مكتوف الأيادي..أنت منذ اليوم لم تعد معصوب العينين ومغلق الفم..أنت منذ اليوم لم تعد للشيطان حليفا ً..أنت منذ اليوم حليف لكل ثائر وأنت منذ اليوم مظلة لكل من يهرب من وهج المحارق..أنت منذ اليوم ثائر..وأنت منذ اليوم رمحٌ وأنت منذ اليوم بندقية وسكين وحجرٌ نضرب به كل غادر..وأنت منذ اليوم لم تعد ضائعا وأنت منذ اليوم لم تعد هاربا فأنت منذ اليوم لم تعد على الأوضاع صامت ..أنت منذ اليوم تتكلم نيابة عنّا وأنت منذ اليوم تتحدث بإسم كل مقتول وبإسم كل أردني مغدورٌ وممتوك ومهتوك الستر في كل أروقة المخافر…وأنت منذ اليوم لم تعد نائما وأنت منذ اليوم لم تعد تحلم فأنت منذ اليوم صاحي وأنت منذ اليوم مستيقظ .. فأنت منذ اليوم ..أنت منذ اليوم في ذاكرة كل الثائرين أنت منذ اليوم لن تكون طابة تنس تتقاذفها المضارب..وأنت منذ اليوم لن تكون كرة قدم تتقاذفها الأرجل وتتطاول عليها الأيدي وصفارات الحكام في كل الملاعب..أنت منذ اليوم ثائر..أنت منذ اليوم غاضب ..أنت منذ اليوم صارخ..أنت منذ اليوم لن تكون مجرد رجل باكيا في الطرقات وعلى أزقة الطرقات وفي الأرصفة وعلى خشبات المسارح ..أنت منذ اليوم ثائر أنت منذ اليوم منتفض من كل جوانبك من اليمين إلى أقسى اليسار..أنت منذ اليوم لن تكون جائع أنت منذ اليوم لن تكون إلا قنبلة موقوتة في وجه كل من تسول له نفسه أن يتآمر عليك..أنت منذ اليوم لن تتمنى أن تكون إلا أردنيا ثائرا أنت منذ اليوم ثائر وأنت منذ اليوم غاضب وأنت منذ اليوم لن تدع جراحاتك للزمن أن يدملها وللرياح أن تنثرها لأنك أنت منذ اليوم بركان منفجر وإنسان غاضب وملتهب في كل ما تحمله بداخلك من مشاعر..أنت منذ اليوم لن تكون ورقة يكتبُ عليها الناس أسماءهم وأنت منذ اليوم لن تكون تاريخا أو مجرد رجل عابر في تاريخ العرب الأكارم فأنت منذ اليوم شاحب الوجه ومكفهرا وغاضبا وثائرا ومتطاولا على الطغاة في كل الميادين وفي كل المحافل..أنت منذ اليوم لن تكون ورقة بيضاء يكتب ويخربش عليها أي إنسان يدعي بأنه شاعر فأنت منذ اليوم منشور سري يوزع في الأزقة وفي الحارات وفي كل المداخل وفي كل المخارج..أنت منذ اليوم شخصاً آخر لم تعرفه الحكومات العربية ولم تسمع به أجهزة التصنت الإستخبارية أنت منذ اليوم ولدت من جديد إنسان غاضبا تحمل بيدك الكفن وتقف على حافة قبرك تنتظر المصير النهائي لكل عربي ثائر يحتج على الظلم وعلى بيع الضمائر.
من المحتمل أن يُصلي المواطن البحريني خلال هذا الشهر في جمعة اسمها (جمعة تحقيق المستحيل) أو أن يصلي أي مواطن عربي في اليمن أو في أي دولة أخرى جمعة اسمها (جمعة طرد العميل) وكنتُ أتمنى وأنا أشاهد أنواعا من الجُمع الجديدة لو كان الفيلسوف العظيم الليبي الساخر (الصادق النيهوم)الذي رحل عام 1994م على قيد الحياة وهو يشاهد الجمعة التي كان يحلم برؤاها أمامه وقد تحققت فعلا, لقد رحل الفيلسوف العظيم ولم يحن له أن يقوم بتعديل على مقاله (من سرق الجامع؟ وأين ذهب يوم الجُمعة؟)حين قال: كل التغييرات في الدولة الإسلامية كانت تتم في أيام الجمعة من خلال الجامع الذي كان يخرج أو تخرج منه أخطر القرارات السياسية, وكان يتأسف الفيلسوف على الجُمع العادية التي تمر على العرب والمسلمين دون تغيير, ولكن بعد (محمد البوعزيزي) عادت الجمعة لتظهر من جديد على الساحة العربية لكي تخرج منها أخطر القرارات السياسية التي تطالب الزعماء الديكتاتوريين بالرحيل الأبدي ولو كان الثمن الدماء والأرواح.
وسوف تحتفل الحكومات العربية المدنية في المستقبل القريب بعيد الاستقلال عن الحكام الديكتاتوريين ولسوف ننسى عيد الاستقلال عن الاستعمار الانكليزي أو الفرنسي لأننا سنعتذر عن إساءتنا للاستعمار الإيطالي ولسوف نعبر عن خجلنا من إساءتنا للاستعمار الإنكليزي والفرنسي ولسوف تُسمى الأعياد القادمة في كل دولة بناء على اسم (الجمعة) التي يسقط فيها كل طاغية في كل دولة عربية فمن المحتمل أن يكون اسم الجمعة التي يسقط فيها النظام الأردني (جمعة الإرادة الشعبية القوية) أو (جُمعة التغيير) أو (جمعة طرد الفاسدين) هذا إذا توصلنا إلى صيغة تفاهم يبقى فيها النظام شريطة أن يطرد النظام الفاسدين وهذا الاحتمال ضعيف 90% لأن النظام والفساد وجهان لعملة واحدة أو طاسة ولقت غطاها .
وكل أيام الجمع التي كان الملوك العرب يؤدون الصلاة فيها وهم مبتهجون ومسرورون سوف يأتي عليهم يوم يندمون فيها على رائحتها أو على ذكراها التي لن تتكرر حين يرون أمامهم جمعة اسمها (جمعة الندم) أو (جمعة الأسف) أو (جمعة الحرق) ,نعم, لقد كانت الجُمع السابقة عبارة عن جُمع تأييد ومبايعات على الولاء للفساد وللأنظمة الديكتاتورية التعسفية المتسلطة على الجهلة , ولكن الشهور القادمة سيدخل القادة والرؤساء العرب ميادين التحرير وشوارع الانتفاضات لكي يسجدوا غصبا عنهم ويركعوا للجُمع الجديدة وأنواعها ولسوف يركع الظلمة الفاسدين أمام (جمعة الفيس بوك) التي من المتوقع أن يكون فيها (بل جيست) هو الإمام أو مؤسس موقع الفيس بوك هو الإمام, وأنا أتوقع قريبا ظهور جمعة جديدة بإسم (جمعة الحج جوجل) أو (جمعة الحج تويتر) أو (جمعة الشيخ ياهو) ولسوف تظهر جمعة جديدة بإسم (جمعة سماحة الهوت ميل) أو(جمعة الحق) و(جمعة الانتقام) و(جمعة كشف المستور) و(جمعة فضح المخابرات) في كل العواصم العربية التي من المتوقع أن تبدأ في عمان أو الرياض أو أي عاصمة عربية محتملة وهذا ليس بالبعيد فالذين قادوا جمعة الرحيل قادوها بكل إصرار لكي يرحل النظام العميل والخائن والجبان وقد رحل فعلا , وكل أيام الجُمع التي مرت على التاريخ العربي الحديث لا تساوي جمعة واحدة من (جمعة الغضب) أو (جمع الانتفاضة) أو (جمعة تفريغ الحقد) و(جمعة كشف ملفات الفساد) فهذه الأنواع من الجُمع سوف تنتشر في المجتمعات العربية وسوف يقودها مسلمون ومسيحيون وليبراليون ويساريون من شتى الاتجاهات الفكرية ولقد كنت طوال عُمري أسمع من الشيوخ الإسلاميين عن (الجمعة اليتيمة) التي تكون في آخر أسبوع من أيام شهر رمضان, وطوال عمرنا ونحن نشهد تلك الجمعة دون أن نرى شيئا يتحقق لنا فيها , ولأول مرة في التاريخ العربي والمشرقي يفاجأ الحكام العرب بأن القدر قد خبأ لهم جمعات متعددة ما كانوا قد سمعوا بها من ذي قبل أو رأوها أو شهدوها ولو سألوا كل علمائهم أو عملائهم وشيوخهم لقالوا ما سمعنا عن هذا لا في كتب الأولين ولا في كتب الآخرين, ولكن الأيام خبأت للسفلة (جمعة الغضب) و(جمعة الرحيل) و(جمعة الوداع السلمي) للذي يريد أن يترك منصبه سلميا ولا يريد إثارة أي مشكلة ولسوف تظهر أنواع جديدة من الجُمعات لم يسبق لا للعرب ولا للمسلمين أن شهدوا مثلها , كجمعة الغضب وك(جمعة الرحيل) و(كجمعة الوعد والوعيد) وك(جمعة الاستقالة) وأسماء كثيرة وأنواع كثيرة من الجمع سوف تعرفها مجتمعاتنا العربية والإسلامية, فمن المحتمل وهذا وارد أن تقود المنظمات النسائية في المستقبل القريب جمعة تحت اسم(جمعة المساواة ) أو جمعة الحرية أو (جمعة ليس مثلها جمعة) وأنا أتوقع في عمان منتصف هذا العام جمعة جديدة أو عدة جُمع بإسم (الجمعة النارية, والجمعة المتألقة, وجمعة الإصرار, وجمعة المظلومين, وجمعة الجائعين) وهذه الأخيرة سوف تؤدي إلى زوال أنظمة الحكم الفاسدة التي تقوم بتوظيف المفسدين والمرتشين وحثالة المجتمع الأردني ليصولوا ويجولوا في المحافظات والألوية وهم يطلقون أيديهم في الشعب الأردني تشليحا وتدبيرا لقضايا كيدية يسيئون فيها للمثقفين وللناشطين السياسيين.
إن (جمعة الثأر قادمة) وإن (جمعة الجُمعات ) قادمة أيضا وإن (جمعة الاستبسال) قادمة وستولد من رحم الشعب الأردني الغاضب (جمعة ليس مثلها جمعة) .
غالبية رؤوس الأموال في العالم كافة (جبانة) إلا رأس مال المسلمين فهو أكثر من جبان وأقل من مستهتر بعقول المنتسبين للديانة الإسلامية ويجب الثورة عليه النظام الإسلامي وعلى رأس المال الإسلامي وعلى الرأسماليين الإسلاميين الذين لا يخرجون زكاة أموالهم على الإطلاق والذين يقفون ضد دعم المثقفين والجمعيات , يجب أن نثور على النظام الإسلامي وأن ننادي من أجل أن يسقط هذا الدين الذي غالبية تعاليمه شعوذة وسحر وتنجيم وشيطنة تحمي الرأسماليين من مد يد المساعدة للفقراء المساكين الدراويش, فليسقط الاسلام وليسقط معه الدجاجلة والانتهازيين الذين يتحالفون هم ورأس المال مع الفساد ضد النزاهة وضد الإبداع وضد حرية الرأي والتفكير, فكل الثورات في كل الدول العربية إن لم تحجم الإسلام فستبقى تلك الثورات أو ستصبح تلك الثورات ثورات فاشلة أو كما يقول المثل العامي مثل (الظ…ط على البلاط) لأن هذا النظام هو الذي يحمي رجال العصابات الذين يدعون بأنهم حكام وملوك ورؤساء جمهوريات يحكموننا بإسم أو تحت شريعة إرادة ألله .
رأس المال الإسلامي ليس جبانا وحسب بل هو رأس مال متواطئ مع الملوك ورؤساء الجمهوريات …وأصحاب رأس المال الإسلامي كلهم أو غالبيتهم من الزعران والبلطجية وقطاع الطرق الذين يمولون السلطة الحاكمة بالفقراء والذين يزودون الشارع العربي بالجواسيس والشحاذين, ورأس المال الإسلامي جبان وغير منطقي ولا يستطيع تنفيذ سياسة ال 2.5وهي النصاب القانوني لزكاة المسلمين من مجموع رأس المال,فالكفار بين قوسين وأحفاد القردة والحنازير أيظا بين قوسين هؤلاء يدفعون لفقراء المسلمين أكثر مما تدفعه الدول العربية الإسلامية التي تسب وتشتم هي والفقراء بالمسيحيين واليهود وكافة الفئات الفقيرة مثلا في الأردن تتلقى دعمها من أمريكيا بوش وأمريكيا كلنتون وأمريكيا أوباما ولا نتلقى أي دعم من شيوخ أو دجاجلة الإسلام فهؤلاء لا يدفعون إلا لبناء مساجد ومؤسسات حفظ القرآن عن غيب وما الذي نستفيده من رجل يحفظ القرآن غيبا ونساء حارته أو نساء العمارة التي يسكن فيها يمارسن الدعارة والعهارة من أجل الحصول على الخبز ورأس مال المسلمين رأس مال استعماري يهدف إلى استنفاذ خيرات الشعوب وتجويع الناس وإفقار الفقراء ولا يستطيع رأس المال الإسلامي تحقيق النهضة الإسلامية التي يدعيها لأنه عاجز عن تحقيق الإثنين ونصف فكيف مثلا سيحقق ما هو أكثر من ذلك, إن رأس المال الإسلامي زوّد الشارع العربي بالفقراء وبالإرهابيين واستنفذ ذخيرة الصناعات الحربية الغربية فهو مصدر ربح لتجار الحروب والنزاعات الدولية ورأس المال الإسلامي رأس مال حقير لا يستطيع تحقيق الفائدة المرجوة منه وهو يعيش في عالم مثالي مع الفقراء في الشوارع والأزقة بينما ينعم بخيرات بلاد المسلمين محتكري السلطة وكل من لهم صلة بالتجارة الدولية للأسلحة, إن رأس المال الإسلامي رأس مال لا يقدر حتى على إنقاذ نفسه وها هم المسلمون في جميع الدول الإسلامية عالة على أنظمة الحكم وأنظمة الحكم أيضا عالة عليهم وكلهم حمل ثقيل على بعضه البعض والحارات ممتلئة بالمساجد غير أن المساجد لم ولن تحمي الزعماء العرب من الثورات الموجهة ضدهم بل هي على الأغلب تساعد الفقراء في النهاية للانتفاض في وجه الزعران الذين يدعون بأنهم فلاسفة حكم وبأنهم قادة فكر في حين أنهم ليسوا إلا حثالة الأمم.
جميع الثورات في كافة إنحاء العالم ومنذ بدء الخليقة تعمها الروح الاشتراكية مع أنني لا أحب الجزم ولغة الجزم ألا أن الثورات منذ بدء الخلق حتى اليوم تسودها فعلا الروح ألاشتراكية ولا توجد ثورة على ألإطلاق إلا ومبادئها اشتراكية وتجد مصطلحاتها: توزيع الثروة والعدالة والمساواة وأول ثورة في التاريخ البشري كانت ثورة -لوكال زاكيزي - في العراق القديم وكان من مبادئها :توزيع الثروة بشكل عادل ومضمونها إلغاء القوانين القديمة واستبدالها بقوانين جديدة كي يحصل الشعب على حقوق جديدة معترف بها من قبل السلطات.
ومنذ أن بدأ الإنسان بالتطور ودخول الحضارة كان قد بدأ مع هذا ألمشوار دخول عصر الظلم والإحباط .
ولم يعرف ألإنسان الحجري في ألعصر الحجري ألأعلى والأدنى أي شكل من أشكال الظلم أو الاستبداد وذلك بسبب غياب الحكومات التي تنضم حياة الناس فلم تكن هنالك ثروات ولم يكن هنالك إنتاج واقتتال على الإنتاج ولربما يفاجئ القارئ أذا عرف أن :نظام الرق والعبودية هو من صنع ألإنسان المتحضر وليس من صنع ألإنسان المتخلف .
وحين أنتقل ألإنسان من النظام ألاقتصادي الذي كان يعتمد على جمع القوت إلى النظام ألاقتصادي الذي يعتمد على نظام الزراعة وصناعة القوت حوالي 7000- 5000 قبل الميلاد كان قد بدأ هذا ألإنسان المغلوب على أمره في تطوير نظامه ألاقتصادي عبر استخدام الذهب والفضة لتغطية باقي السلع , وكان هذا المشوار قد بدأ أولا في مصر الفرعوني ومن ثم في بابل العراقية أو الكردية .
ومن تلك اللحظة شنت الحروب والغارات على الشعوب ألأخرى وتم استعبادها وقهرها واختراع نظام الرق والعبيد من أجل تحسين ألإنتاج الزراعي بشقيه : الحيواني والنباتي لذلك كانت غالبية الثورات ثورات من أجل تخليص الرق والعبيد ولم يكن أي قائد ثوري ينجح ما لم تكن ثورته دينية مستمدة من الروح الدينية للإله أو للآلهة التي تحل به لكي يخلص الشعب المقهور من يد الحاكم الجشع.
وكان هنا نظام الرق ضروري جدا بسبب عدم وجود آلة تحسن ألإنتاج وأن المهندسين الذين نقرأ عنهم ما كانت أعمالهم تنجح ألا من خلال العبيد وقد كان يقاس نجاح المهندس بكم يملك من العبيد وليس بِكم يملك من الآليات لذلك كانت الثورات ثورات عبيد أو ثورات نبلاء يقودون العبيد أما اليوم فأن الوضع قد اختلف فنجاح المهندس يقاس بكم يملك من آليات فنية تأهله لتحسين نوعية إنتاجه لذلك لا يوجد عبيد وإنما يوجد عمال يديرون الآلات وهؤلاء ليسوا عبيدا بل عمال ثاروا من أجل قانون العمل والعمال ومن أجل تحسين ظروف المعيشة في المدن التي تتسع بفضل المصانع ويتحول فيها الفلاحون إلى عمال مصانع وشركات.
وقد استاء الأحرار عبر التاريخ وقلنا أن أول ثورة كانت في العراق ولكنها لم تكن تختص بشؤون العبيد والإماء والموالي بل كانت ثورة من أجل توزيع الثروة بشكل عادل , أما أول ثورة عبيد في التاريخ فقد كانت ثورة -اسبارتاكوس- وهو عبد مقدوني وأصله من البيض الأحرار .
ووقعت ثورة اسبارتاكوس حوالي سنة 73 قبل الميلاد , ألا أنها فشلت بسبب عدم وجود لغة موحدة يتفاهم بها الثائرون وذلك يعود إلى أنهم من شعوب مختلفة وقوميات متعددة .
وبدأت الثورة ب 70 رجلا إلا أن روما حطمتها قبل أن تصبح إمبراطورية وعلقت 6000 ثائر من أرجلهم ورؤوسهم وتأدب بذلك العبيد وخضعوا لنظام الرق والعبودية طيلة 2000 عام بعد ذلك ولم يبقى من ثورة -أسبارتاكوس - الا الذكرى المؤلمة والموجعة عند كل عبد يفكر بالخروج على النظام العالمي في ذلك الوقت وهو نظام الرق والعبودية .
ولم تظهر بعد ذلك التاريخ المشئوم أي ثورة تذكرنا باسبارتاكوس , حتى ظهور :علي بن أحمد بن الحسين بن علي سنة 255-270 هجريا ,وكانت تربطه بالزنوج علاقة حميمة وخؤولة بسبب فقر العلويين وعدم قدرتهم في الحصول على نساء بيض وإماء بيض , وكان فقرهم يقربهم من النساء السود ولذلك غلب على لون العلويين في ذلك الوقت اللون المائل إلى السمرة ووثق به الزنوج والسود واستمرت ثورته زهاء 15 خمسة عشر عاما قضاها في تعبئة السود والعبيد من أجل الثورة على الأسياد والأعيان وقد فشلت ثورته ولم تنجح على ألإطلاق وأخذ العبيد درسا قاسيا مثل الدرس الذي تلقاه جماعة اسبارتاكوس .
وحتى عام 1215 ميلادي لم تحصل الشعوب المقهورة على حقوق جديدة إلا بفضل الثورة التي أقامها النبلاء على الملك :جون بسبب كثرة الضرائب التي كان يفرضها الملك جون على الطبقة الوسطى علما أن الذي قاد الثورة هم النبلاء لأنهم كانوا يتأثرون بتلك الضرائب وتشل حركة العمل .
وحتى عام 1789 ميلادي ,ثارت الطبقة الوسطى في عموم أرجاء فرنسا وحصلت على امتيازات جديدة للعبيد والأرقاء وتم إلغاء الرق بفرنسا بنجاح وذلك لأول مرة في التاريخ البشري
.
وفي عام 1848 ميلادي هبت أوروبا وطالبت بحقوق جديدة للعمال وحصلت عليها وتبعتها في ذلك الثورة الأمريكية الشمالية بداية من مؤسسها -توسان لوفيرتور- وكان هذا عبدا مثقفا إلا أن نابليون ضرب بمبادئ الثورة الفرنسية عرض الحائط وتنكر للثورة وأجهض ثورة العبد المثقف وهزمه وعامله بخسة ونذالة وذلك سنة 1794 ميلادي.
وظهر بعد ذلك التاريخ رجل نبيل وهو :أبراهام لنكولن وقاد حرب تحرير العبيد سنة 1860 ميلادي وكانت حربا دموية وهي أنجح حرب في تاريخ تحرير العبيد على الإطلاق .
وأن هذا النجاح في تحرير العبيد لا يعود إلى إنسانية ألإنسان بقدر ما يعود إلى الآلة الصناعية التي حلت محل الأيدي العاملة وكان العبيد في ذلك الوقت من السود الذين لا يحتملون البرد والثلج في الشمال الأمريكي البارد لذلك أتجه الشماليون إلى بناء المصانع ولم يكونوا زراعيين عدى نفر قليل منهم وذلك أن العبيد هنالك لم يكونوا يحتملون البرد الشديد وكان تشغيل العبيد في الزراعة يعود بخسارة على الشماليين الأمريكيين ولذلك اتجهوا إلى الصناعة لأن المصانع توفر جوا ومناخا مناسبا للعبيد الذين لا يطيقون البرد والزمهرير الشديد .
أن جميع الثورات منذ اسبارتاكوس قد فشلت لعدم وجود ألآلة الصناعية وأن سبب نجاح لنكولن عائد بشكل طبيعي إلى نظام ألإنتاج الجديد الذي يعتمد على ألآلة الصناعية وهذا ألأمر دفع بفيلسوف وجودي مثل :جان بول سارتر للقول :
(أينما حل الظلم والاستبداد فنحن الكتاب مسئولون عنه) ….وقبل أن يكتب أحد عن اضطهاد العبيد ما كان أحد ليفكر من أنهم مضطهدون حتى العبيد أنفسهم ما كانوا ليعرفوا أنهم مضطهدون إلا عندما كتب عنهم أنهم مضطهدون .
أن الآلة هي التي رفعت من مستوى نمو الإنسان عاطفيا وهي التي أغرت بالمثقفين في أن يسعوا إلى تحرير العبيد والآلة هي التي زادت من مستوى تحسين الإنتاج لذلك شعر المنتجون وصناع الآلة إلى عدم احتياجهم للعبيد لذلك نجحت الحرب الدموية أخيرا في تحرير ألإنسان.
كان المسيح في إحدى تعاليمه قد وصف الملك (هيرودتس) ب (الملك الثعلب)ذلك الملك الذي وجد نفسه في وسط حاشية كلها أنذال ومجرمون وأفاعي ولصوص لذلك كان الملك يخاف من أن يقترب من مُلكه الشرفاء والأوفياء لعلمه بأن الشرفالء واللصوص لا يمكن أن يتفقوا مع بعضهم فحارب الشرفاء والأوفياء حربا مستمية استبد بها في كل شيء فكان يسيطر على كل كبيرة وصغيرة وكان يمنع أو يخاف من أن يقترب منه الشرفاء فعمد إلى المكر بهم وإلى خداعهم وذبحهم وقتلهم والاستبداد بمن بقي منهم من أبناء وأيتام وأطفال ونساء وكان الملك يصور نفسه بأنه مسكين وبأن حاشيته هم اللصوص وبأنه بريء من سرقاتهم ودجلهم وبطشهم بالناس ولهذا السبب دعاه المسيح ب (الملك الثعلب), وهذه أو تلك السياسة ما زالت إلى اليوم فعالة في مجتمعاتنا العربية فهؤلاء الحكام العرب يمنعون الأوفياء من أن يقتربوا منهم ويخافون من المثقفين الحقيقيين ويخافون من الصادقين ومن المؤمنين بقضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان لذلك غالبيتهم أفاعي ولصوص يمكرون بالناس من هنا يصح لنا أن نطلق عليهم لقب الثعالب.
ورغم أننا نعاني ونكافح ونتعب ونعرق ونغرق في الألم ورغم أن الثعالبي يصفوننا بالفجرة وبالكفار لأننا نعريهم ونكشف زيفهم غير أنهم أولاً وأخيراً محرومين من متعة العذاب الذي نعيش به ورغم أن الثعالب يمكرون بنا غير أنهم حقاً محرومون من دموعنا ومن عرقنا ومن كفاحنا, فمهما مكروا لن ينالوا دموعاً مثل دموعنا ومهما مكروا لن ينالوا حبا مثل حبنا ومهما ادعوا بأن الناس يحبونهم غير أنهم لن ينالوا قلبا يحبهم كقلبنا ولن تتساقط عليهم في أي يوم من الأيام دموعاً كدموعنا, ذلك أننا حملان وديعة وهم ثعالب مَكَره ,طعم الحرية التي نستلذ بها نجده في الرصاصة التي تخترق قلوبنا وفي السكين التي تنغرز في أحشائنا , طعم الحرية أنتم محرومون منه وطعم الحرية أنتم تفتقدونه , يا من سممتم ماءنا ولوثتم هواءنا, ويا من ذبحتم أحلامنا وكسرتم أجنحتنا , طعم الحرية الذي نستلذ به أنتم محرومون مننه اليوم وغدا وللأبد , إن طعم الحرية لن تذوقوه لأن الخسة والنذالة لا تستنشق هواء الشرفاء ولأن الخسة والنذالة لا تستطيع أن تعيش في مجتمع الشرفاء الأوفياء لذلك نحن نعيش في عالم آخر لا تعيش فيه الحكومات العربية التي اعتادت على الحياة وعلى العيش مع الأنذال الذين لا يشكلون خطرا عليها بقدر الخطر الذي يشعرون به وهو قادم كالعاصفة من عند أو من فتحة أفواه الشرفاء لذلك أنتم وحاشيتكم تحاربون الشرفاء وتحاربون الأوفياء وتذبحونهم وهم وحدهم أو وحدنا من يشعر بهذا الطعم وبهذه الرائحة إن الملوك والحكام ورؤساء الجمهوريات العرب الذين يطعنونا بحرابهم وسكاكينهم محرومون من مذاق طعم الألم فهذا المذاقُ ولذته لا أحد يشعر به إلا نحن ولا أحد ينام عليه إلا نحن, وإن الذين يضربونا بسياطهم محرومون أيضا من لذة طعم السياط وأجسادهم محرومة من العلامات التي تتركها السياط على أجسامنا, أنتم يا ملوك ويا رؤساء الجمهوريات العربية محرومون من النوم على شتى أنواع التعب والإرهاق وأجمل المنامات(النوم) تلك التي ينام أصحابها وهم يتلذذون بطعم التعب والإرهاق وبما أنكم مرتاحون جدا فهذا معناه أنكم محرومون من طعم اللذة في الألم ومحرومون من لذة النوم التي نشعر بها وهي تنتقل من القلب إلى الأمعاء وإلى العينين وإلى اليدين.
أنتم محرومون من الدموع التي تسقط من عيوننا فنحن أجمل شعب يبكي ونحن أجمل شعب يتألم ونحن أجمل شعب يغرق وأنا أجمل غريق وأنا أجمل حريق وأنا أجمل ضجيج وأنا أجمل مظلوم على وجه الأرض ودموعي تشهد أنكم تظلمونا بكل ما أوتيتم من نذالة ومن خسة ونحن وحدنا من يبكي ولن ترو في حياتكم طعم الدموع ولن تشاهدوا على وجوهكم لذة الابتسامة فوق الدموع فأنتم محرومون من نعمة البكاء ومن نعمة الحزن ومن نعمة التبول اللا إرادي من شدة الفزع والخوف, وأنتم لا تخافون وأنتم لا تستحون.
في كل عام يزداد انحرافي عن العام الذي قبله, علما أن كل الأطباء قالوا: بأن الانحراف سيميل إلى الاعتدال كلما تقدم السن بالفتى,والسبب طبعا أشياء كثيرة وليست شيئا واحدا , ولكن هنالك أهم نسبة انحراف أعاني منها وقررها الأطباء علنا أمام أمي حيث قالوا لها (بأن الولد لديه انحراف وراثي من أبيه وجده) فأنا أيضا كان جدي منحرفا في نظره بعض الشيء , أما أبي فلم يكن الانحراف في عينه اليمين أو الشمال وإنما كان في مكان آخر من جسمه لا تدركه لا القلوب ولا الأبصار, وأنا هنا لا أتحدث عن قصة رمزية وإنما عن أحداث واقعية حصلت معي دون زيادة عليها أو نقصان ولم أكن أنا شخصيا أعرف بأنني مصاب بمرض انحراف في النظر إلا عندما قال الناس والجيران ومدير المدرسة لأمي بأن ولدك لديه انحراف في النظر والبصر وبالذات في عينه اليمين والآن كل من يدقق في عيني اليمين يجد فيها انحرافا بعض الشيء , فأنا منحرف في اليمين إلى اليمين تقريبا, وحتى نتفادى هذا الانحراف ونوقفه ذهبت أمي إلى طبيب العيون في مستشفى الأميرة بسمه التعليمي سنة 1982م وكانت هذه أول مرة في تاريخ حياتي أُعرضُ فيها على طبيب أخصائي للكشف على الانحراف وعن علاجه ومسبباته وهنالك أجرى لي الطبيب عملية جراحية لكي أتوقف عن (الانحراف) ولكن النتيجة كانت من بدايتها انحرافية أي عكسية حيث أخطأ الطبيب مما أدى إلى زيادة الانحراف عندي إلى ربع درجة, وهنا بدأ أول تساءل فلسفي يلح على شخصيتي وهو لماذا يزداد الانحراف كلما حاولنا تعديله؟.
وفي سنة 1984م بعد وفاة والدي ازداد عندي الانحراف بنسبة أكبر من ربع درجة فأصبحت أعرف في حارتنا باسم المنحرف قليلا , والمشكلة أن الانحراف الذي أعاني منه في كل مرة يزداد ويتفاقم بدل أن يتراجع عقب كل عملية تصحيحية له, ففي كل محاولة لتصحيح نظري يزداد نظري انحرافا وأنا تصبح وجهات نظري كلها منحرفة عن الحق أو عن الرؤيا الحقيقية التي يراها الناس, فأنا من ناحية النظر لا أرى كما يرى الناس ففي كل عام تزداد حالة الانحراف بيني وبين الناس والجماهير والحكام والوزراء والمفكرين وبين كل أهل حارتنا حتى في المعتقدات أنا منحرف عن الناس وعن باقي البشر, وفي سنة 1985م قررت أمي الذهاب إلى الطبيب مرة ثانية وهذه المرة قرر الطبيب بأن الانحراف يزداد يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة وقال بالحرف الواحد (الولد لازمه نظاره حتى يتوقف عن الانحراف) وفعلا لبست النظارة ولكن تلك النظارة لم توقف عملية الانحراف عندي بل على العكس ازدادت نسبة الانحراف تقريبا إلى ربع درجة وعُشر الدرجة وفي هذه المرة قرر الطبيب بأن عندي بعض المشاكل التي تزيد انحراف النظر عندي وأهم تلك المشاكل القراءة وقال : يجب أن يتخلص الولد من القراءة, وحين تخلصت من القراءة لم تتوقف عندي عملية الانحراف ولم أرجع على الأقل لحالتي الطبيعية فقلت: طالما الشفاء ميئوس منه فلماذا لا أعود إلى القراءة ؟وفي سنة 1987م قرر نفس الطبيب بأن هنالك مشكلة أخرى تزيد من سرعة استجابتي للانحراف وهذه المرة كان التفكير هو أهم سبب من أسباب الانحراف التي تزداد عندي نسبته يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة, وفي سنة 1989م قرر طبيب عيون آخر في عمان بأن سبب الانحراف أو انحراف عيوني هو التلفزيون الأردني وأمر الطبيب أمي بأن تحدد مسافة قانونية بيني وبين التلفزيون الأردني, وحين سألها الطبيب : كم متر يبتعد عن التلفزيون وهو يشاهده؟ فضحكت أمي وقالت: ابني قريب جدا من التلفزيون الأردني أي تقريبا متر واحد وأحيانا نصف متر يكون بعيدا عنه, فضرب الطبيب بيده على الطاولة غاضباً ونهض من على كرسيه وقال: غلط..التلفزيون الأردني يجب أن يبتعد عن وجه هذا الطفل مسافة لا تقل عن 3 أمتار تقريبا حتى لا يزداد انحرافا,ويومها سألت أمي أثناء طريق العودة : هل بين الطبيب والتلفزيون الأردني أي عداوة؟ فقالت ضاحكة: لالا ..يقطعك ما أخف دمك… وفعلا من يومها وأنا أبتعد عن التلفزيون الأردني ولا أشاهده إلا عن بعد ومنذ عشرة أعوام أو 15 عاما وأنا لا أشاهده إطلاقا ولا أطيقه ولا يطيقني ومع ذلك ما زال الانحراف مستمرا في عيوني حتى جاءت سنة 1990 حين قرر طبيب آخر بأن صحيفة الرأي الأردنية سبب انحراف النظر في عيني اليمين ونصح أمي بأن تبعد عني قراءة صحيفة الرأي والدستور وكل صحيفة أردنية ومنذ تلك الفترة عرفت بأن كل وسائل الإعلام الأردني سببا مهما لانحراف الناس فابتعدت عن كل وسائل الإعلام الأردني وازددت انحرافا بدل أن أتوقف عن الانحراف حيث كانت وما زالت النتيجة عكسية في كل عملية تعديل أو تجميل للانحراف, وصدقوني في سنة 1992م قرر أحد أكبر أطباء العيون في الأردن إجراء عملية تجميل لي في عيني اليمين لكي يكون الانحراف أمام الناس مقبولا وأعطاني مهلة 6 أشهر للاستعداد وبقيت أستعد للعملية ولكنني في يوم العملية تراجعت وخرجت من المستشفى لوحدي وقررتُ شخصيا بأن انحرافي شيء طبيعي يجب أن أومن به.
وفي سنة 1994م كانت حالة الانحراف عندي قد ازدادت سوءا وكان السبب في الانحرافات الجديدة (العقاد وطه حسين وسلامه موسى ونزار قباني) وفي هذه المرة كانت صحيفة الرأي الأردنية وكل وسائل الإعلام الأردني بريئة من انحرافاتي وحين ذهبت إلى أخصائي عيون محترف كان قد قرر هذا الأخصائي بأن انحرافي قد أصبح درجة كاملة والموضوع خطير ويجب أن ألبس نظارة طبية لتتوقف عندي حالة الانحراف وحين سألني الطبيب كم ساعة تقرأ في اليوم الواحد؟ قلت له: 10 ساعات وأحيانا 8 ساعات وغالبا 4 ساعات قراءة وأيام أقرأ يوما كاملا وأحيانا يومين كاملين في الفلسفة والأساطير والتاريخ الكلاسيكي ونقد الديانات .
لم يكن الفنان المطرب صباح فخري وحده من يغني (فوق النخل فوق) فغالبية المسئولين الأردنيين العنيدين برأيهم يغنون هذه الكلمة بأسلوبهم الخاص وغالبية المفسدين منهم لا يتراجعون عن الفساد إلا إذا جاءتهم الأوامر من (فوق فوق فوق فوق) فتجدهم يقولون : فقط إذا في أوامر من فوق , و كلمة(من فوق) على ألسنة كل المفسدين الأردنيين من ضباط مخابرات واستخبارات إلى الوزراء والسفراء والمدراء ورؤساء الجامعات, فكل هؤلاء يحفظون هذه الكلمة عن ظهر قلب ويرددونها كلما أردوا أن يكذبوا وأن يبطشوا بالناس فتجد ضباط المخابرات يقولون (لا نستجيب إلا إذا جاءت الأوامر من فوق فوق فوق واللي مش عاجبه يشرب من بحر العقبة) أو كما كان يقول عرفات (يشرب من بحر غزه) وأنا كمواطن مش عارف ليش لا يستجيبون إلا إذا جاءت الأوامر من فوق؟ يا جماعة الخير صارت كل الناس تردد هذه الكلمة حتى الفراشين والأذنة والمراسلين والسواقين والقوادين تعلموا هذه الكلمة وقبل أسبوع تقريبا ذهبت بأولادي في ساعة العصرية ليلعبوا كرة قدم في ملعب المدرسة فخرج الحارس وطلب مني ومنهم المغادرة فقلت له : ليش؟ فقال : إذا بتجيب أوامر من فوق على عيني وراسي,نعم, لقد ضحكت كثيرا وأنا أقول: حتى حارس المدرسة صار يحكي من فوق !!! فإذا أراد أحدٌ منهم أن يكذب أو أن يطلق إشاعة تجده يقول(هذه التعليمات كلها جايه من فوق) وهنالك من الناس من يقولها بصيغة التكرار للمبالغة في تضخيم الكلمة والمصطلح فتسمعه وهو يشد على أباطه كما يقولون قائلا(من فوق..فوق…فوق) ثم يرفع صوته مرتة أخرى ليسمعه من لم يسمعه : (فوق قوق ما حدى بقدر يتدخل) حتى الرجل الذي يكذب على زوجته يقول لها (من فوق هذه التعليمات وما بقدرش أتأخر) .
والذي لديه أوامر من فوق يتحدث معك وكأنه ألله أو ربنا أو كأنه جلالة الملك نفسه قائلا لك(معاي أوامر من فوق..ممنوع..ممنوع) فتسأله شو الممنوع؟ فيقول (يا أخي روح راجعهم واسألهم لا تسألنيش عن شيء ..أنا معاي أوامر من فوق فوق..فوق..)ومن ثم يرسل برأسه للأعلى ليوهمك بأنه مدعوم من (فوق فوق فوق).
وأنا كمواطن شبه أردني لماذا لا تأتيني مثلاً الأوامر من فوق فوق فوق كما تأتيهم من فوق فوق فوق, ولماذا لا أرفض دفع الضرائب والمسقفات مثلا حتى تأتيني الأوامر من فوق فوق فوق؟ لماذا أنا الوحيد الذي يستجيب للأوامر التي تأتي من فوق ولماذا أنا وحدي الذي يعيش تحت سلّم العمارة في البدرون وتحت الدرج وفي التسوية.
وأي حارس على بوابة أي مستشفى يقول لك إذا جئت للزيارة في غير موعدها (ممنوع..هذه الأوامر من فوق فوق فوق) والحارس والموظف الحكومي من فئة الدرجة الأولى والخاصة والوزير والسفير كلهم يحفظون هذه الكلمة وكلهم فيها سواسية, والسؤال الذي يطرح نفسه مثلا : لماذا لا يقول لك أحد منهم بأن القانون هو الذي يريد!! ولماذا يقولون لك كله من فوق؟ ولماذا هم ليسوا أصحاب قرارات!! فلماذا لا يكونون صادقون مع أنفسهم فيقولون (نحن نريد كذا وكذا) لماذا كل هذا الجبن والخوف والفزع والتهرب؟ لماذا لا يقول المسئول الأردني (بناء على تنسيب كل من …) ولماذا لا يقولون (القانون يقول كذا) بدل أن يقولوا (من فوق من فوق) لماذا يتهرب ضباط المخابرات في الأردن من مسئولياتهم ويدعوا بأنهم لن يلتزموا باتفاقياتهم إلا إذا جاءتهم التعليمات من فوق فوق فوق, وبصراحة أنا أشعر بأن رقبتي تريد أن تنقزع أو تنكسر وأنا أنظر للأعلى ولا أرى شيئا , فكلما ذهبت إلى أي محل تجاري أو إلى أي دائرة حكومية أسمع هنالك.
فطرني جبنه وزيتونه وعشيني بطاطه
صحوت اليوم من نومي على صوت الشحرورة صباح وهي تغني(على البساطه البساطه يا عيني ع البساطه..قديش مستحليه أعيش جنبك يابو الدراويش..اتفطرني جبنه وزيتونه وتعشيني بطاطه) ولستُ أدري كيف صحوت من نومي وكيف نهضتُ من سريري وأنا أردد أنغام وكلمات هذه الأغنية حتى أن أولادي ذهبوا إلى المدرسة وهم يغلقون خلفهم باب الدار قائلين: ياي بطاطه , جيبلنا اليوم (بطاطه بطاطه) فابتسمت قائلا بصوت مسموع: سبحان ألله هذول الأولاد مثل أبوهم كلهم تواضع وأدب وأخلاق, فعلا ونعم التربية التي كلها تواضع , يعني حتى البطاطه يحلمون بها وقابلينها أي مليح انهم قابلين يوكلوا البطاطه ..وسرحتُ في أفكاري حين أغمضت عيناي متكئا على المغسلة العامودية والمرآة أمام وجهي وأنا أتصور بحياة البساطة وبمجتمع البساطة الذي يأكل كل يوم جبنه وزيتونه وبطاطه, وقلت لأمي ولزوجتي: أريد أن أذهب إلى صاحب البقالة في حارتنا لأشتري من عنده البطاطه ومن عند جاره لشراء الجبنة, وخرجت من منزلي مسرعا وكأنني حصان امريكي وأنا أُغني على البساطه البساطه يا عيني ع البساطه ..أديش مستحليه اعيش جنبك يابو الدراويش ..فطرني جبنه وزيتونه وعشيني بطاطه, وأمامي في أعماق مخيلتي فريد شوقي وبين يديه الشحروره وتخيلت نفسي بأنني أنا فريد شوقي وبأن الشحرورة (نانا) ومعه أو معي عبد السلام النابلسي يغنون ويرقصون على أنغام(على البساطه البساطه يا عيني ع البساطه..قديش مستحليه أعيش جنبك يابو الدراويش فطرني جبنه وزيتونه وتعشيني بطاطه)
وحين أصبحت وجها لوجه مع صاحب البقالة قلت له وأنا أتمايل رقصا وطربا على أنغام الأغنيه:
-شو يا امعلم وين البطاطه؟
- البطاطه!!!
-هههه شو مالك مستغرب انسان مفكر عربي كبير مثلي يتنازل ويوكل بطاطه! يا رجل التواضع حلو ومطلوب …شو غريبه أن آكل بطاطه!! صحيح أنا حيوان ,غفوا, أقصد انسان لاحم ولكني بنفس الوقت انسان نباتي وبسيط جدا في حياتي ..أحب أكل البقوليات والحبوب ..إلخ.
- التواضع!! يعني أنت متواضع يابو علي!! سولفلك سولافه ثانيه..شو بقوليات ومقوليات أنا مش فاضي اليوم لخفة دمك.
-شو أنت بتسمي تواضعي خفة دم!! بعدين بيني وبينك صدقني ما ظل بي خفة دم.
- لالا من ناحية خفة الدم كل الحاره تشهد بأنه دمك وظلك خفيفان.
-يا زلمه ما هو دمي مصوه الدركولات اللي في الصويفيه واللي في عمان الغربيه, أي أنا ظل بي خفة دم,بح خلص ما ظلش, وكمان عقلي لحسوه.
- أبو علي أرجوك تحكيش بالسياسه أنا زلمه بدي أربي أولادي ..بعدين أي تواضع يا رجل..يا بو علي اصحا ..أكيد إنك اليوم ماخذ حبوب هلوسه.
-هسع عن جد وين البطاطه؟ مش فاضي بدي اليوم آكل مأكولات متواضعه جدا, التواضع أمام الناس مطلوب أنا لا أحب بأن يشعر الناس بأنني متعالي عليهم, أنا أريد من كل أهل الحارة بأن يشعروا بأنني انسان عادي مثلي مثلهم آكل البطاطه والجبنه والزيتونه وأنام على الحسيرة لكي يشعر أولادي أيضا (علي وبرديس ولميس وبتول القادمة هذا الشهر) بأن أباهم جهاد العلاونه كاتب عربي كبير ومع ذلك متواضع ويأكل البطاطه والجبنه والزيتون, أم أنك تريدهم بأن يشعروا بأن أباهم شخصية متعالية على الناس؟ لالا أنا لا أحب بأن يأخذ أولادي عني هذه الصفات, وأنا أريد تربيتهم على الصدق والأمانة والحرية والديمقراطية والتواضع.
-هههههه أضحكتني يا أبو علي, والله فعلا انك مجنون, شو تواضع وبطاطه ,وكمان جبنه, أنت متأكد أنك بكامل قواك العقلية, انت بدك جبنه!!.
-آه جبنه..شو فيها, الجبنه مادة غذائية مناسبة للي في سن حضرتي وبعدين الجبنه أكله فلاحيه تربى عليها أبي وجدي محمود المرعي العلاونه طيب ألله ثراه الذي كان أكرم شخصية في لواء الطيبة ذلك الرجل مختار أقرباءه الذي كان يذبح لهم كل يوم اللحوم ومع ذلك كان متواضع جدا كان يأكل الجبنه والزيتونه والبطاطه والزيت والزعتر ..وصحيح أنا كاتب كبير ولكني متواضع وأعيش بحي شعبي وسكني وآكل مع الفقراء جبنه وزيتونه وبطاطه حتى أنني بعض الأحيان أجلس مع الناس بشكل عادي دون أن أشعر بأنني أفضل منهم لا سمح ألله .
طبعا رفعتُ رأسي للأعلى أو للسماء ومن ثم خفضته قليلا وابتسمت ونظرت في وجه صاحب محل البقالة لكي أشاهد ابتسامته ولكن الغريب في الموضوع أنه لم يكن معجبا هذه المرة بخفة دمي وبكلامي وضرب أخماس بأسداس والكف بأخوه, ومن ثم لاحظ أم عسجد تقترب منا أنا وهو , فقال لها بعد أن ألقت علينا تحية الصباح:
-شايفه ؟…أنت سامعه أبو علي؟ قال بسألني عن البطاطه.
-أأي مين يقدر يا أبو علي اليوم يوكل بطاطه ..أكيذ إنك املاقي لقيه أو نازله عليك رزقه من السما؟
فقلت:
-له له له يا أم عسجد شو رزقه من السما؟أنا صدقوني انسان بسيط عايش حياتي على البساطه , وكل ما هنالك إنه أنا أقول: بطاطه..يا عالم بطاطه ,بدي أرفع صوتي عاليا وأقول : بطااااااطه ,شو انتوا ما ابتفهموش عربي أنا أحكي عربي ولا أحكي سنسكريتي .. ليش ما ابتقدريش توكلي بطاطه صيري انسانه بسيطه ومتواضعه في حياتك مثلي أنا ..شو مريضه لا سمح ألله في معدتك؟ حتى وإن كنت مريضه فالبطاطه لا أعتقد بأن لها تأثير حمضي أو قاعدي على المعده وقبل شهر سمعت برنامجاً تلفزيونيا عنها وعن فوائدها وعن أخلاقها الجميلة وعن أنواعها وفوائدها المتعددة ومن بين تلك الفوائد أن حيتان عمان يبنون قصورا كبيرة في عمان جراء تصديرهم للبطاطه .
-شو يا زلمه حمضي وقاعدي؟ يقطع خفة دمك..يا زلمه ولا واحد من أهل الحاره بقدر اليوم يوكل بطاطه.
-شو ليش البطاطه صايره من الممنوعات..أي إذا الحشيشه صاروا يبيعوها للطلاب في المدارس الحكومية والبنجو الناس صاروا يشربوه مثل ما يشربوا الببسي أو الأسبرين.
-يا زلمه البطاطه نار..نار..نارنار.
-شو مين ولعها!!مين حرقها!! .
-الحكومه يا أبو علي.
طبعااللي اتهم الحكومه هو البقال أي صاحب الدكانه, فقلت له:
-شو خير انشاء ألله..ليش الحكومه ولعوا البطاطه؟هل البطاطه كمان تريد اسقاط النظام الأردني؟أو هل البطاطة تريد العودة لدستور 52؟.
-يا أبو علي شكلك اليوم شارب اشي أو ابتتخوث أو ابتتهبل أو انت هبيله.
-من ناحية هبيله؟… أنا هبيله..ولو لم أكن أهبل أو أجدب أو معتوه لما قبلت العيش في الأردن..أي والله قرود الرباح لا تقبل أن تعيش في مناخات الأردن السياسية والثقافية.
-يا أبو علي البطاطه طايره فوق فوق فوق.
-شو طايره.. يا جماعه البطاطه ليس لها أجنحة.
-يا زلمه سعر البطاطه صاير اليوم بالعالي, الكيلو ب75 قرش أردني والبكسه بأربعة دنانير.
ففتحت عيوني ورفعت حاجباي مستغربا وخبأت الدينار الوحيد الذي كان بيدي خشية أن يراه أحد ورجعت للوراء وأنا مندهش وقلت: ول كيف لعاد بدي أعيش مع حبيبة العمر(نانا) على البساطه البساطه أفطرها جبنه وزيتونه وأعشيها بطاطه؟..طيب شو صار سعر الحسيره؟ كمان الحسيره غاليه وطايره هي والأوضه الصغيره ؟.
فقالت جارتي أم عسجد: يا رجل الحسيرة صارت ابخمسين دينار , شو انت وين عايش؟ والأوضه بدها عشر سنين من الغربه حتى اتروح على دبي أو أمريكيا وتيجي تبنيلك غرفه وتشتري حسيره و بطاطه وجبنه وزيتونه…هذا الحكي اللي انت ابتحكيه كان زمان أيام ما كنا أنا وأمك عرايس من قبل اربعين أو خمسين سنه, بس هسع البطاطه نار نار نار.
-طيب كيف أنا اليوم من الصبح طربان على البساطه البساطه فطرني جبنه وزيتونه وعشيني بطاطه؟
-يا رجل اللي بقول هذا الكلام اليوم واحد معاه مصاري اكثير اكثير اكثير حتى يقدر يوكل بطاطه وجبنه, الجبنه كيلتها بأربعة دنانير!!!, شو مالك احنا ما ابنقدرش عليها.
- باطل ..شو ما اقدرلهاش والله اتخسا البطاطه واللي صدروا البطاطه للعراق وللبنان . شيء غريب..أنا كنت أعتقد بأنني متواضع ..طيب بدي أثبت اليوم لأولادي أنني إنسان متواضع وآكل مأكولات متواضعه شو بدي أطعميهم وصدقوني فتحت نفس علي وبرديس على وجبة البطاطه .. وشو بدي آكل قدامهم على شان أثبت لهم أنني متواضع.
-والله كل شيء غالي الثمن هذه الأيام ولازم انك اتدور على شيء رخيص.
-مثل شو.. الإنسان مثلا رخيص؟.
-والله ما فيش توكل غير (هوا ) وتخرس وتسكت.
- أكلت هو في زماني اكثير وأكلت زفت في زماني اكثير .
-معناته أكل (…را) وأسكت.
حين مررتُ قبل قليل من أمام المرآة ذعرت جدا من منظر الوجه الذي لمحته فيها وقارنتُ بينه وبين وجهي الذي أعرفه فوجدته يشبهني في كثير من الملامح والصفات ولكنه في الحقيقة ليس وجهي فركضت إلى خزانتي وأخرجتُ منها ألبوم الصور الخاصة بي وبدأت بالمقارنة بين وجهي الحقيقي الذي كان حقا وجهي وبين الوجه الذي أمامي على المرآة فوجدته فعلا ليس وجهي وقارنت بينه وبين وجهي قبل الزواج وقارنت بنه وبين وجهي قبل أن تغزوني وسائل الإعلام وقارنت بين وجهي وأنا طفل وبين وجهي الحال فوجدت فعلا بأنه ليس وجهي وبأنه يشبهني فقط ولكنه ليس لي, فهذه الملامح التي تبدو على الجهة اليمنى من وجهي كانت مساجد القرية وشيوخها هم الذين أوجدوها وتلك التي على اليسار ليست لي بل للزمن فالزمن أيضا قد عمل على تغيير أشياء كثيرة في وجهي وفي شكلي وفي منظري وفي حياتي السياسية والثقافية, وفزعتُ جدا وارتعبت من منظر بعض الصور ومن منظر وجهي الحالي وقلت: إيه..إيه والله الزمن غيرني وكبرت فجأة, لا هذا شكلي ولا هذا طولي ولا هذا لوني , وتلك الملامح التي في عيوني كان الخوف قد زرعها في داخلي فالخوف أيضا غيرني وغير شكلي وغير كثيرا من ملامحي , أنا أولا وأخيرا لست أنا وأنا أولا وأخيرا لست إلا رجلا آخر بملامح أخرى وبصور أخرى فمن المستحيل أن يكون هذا الذي يقف أمام المرآة شكلي أو لوني أو تفايلي فهذا الذي أمامي الآن ما كان له أن يحيا هذه الحياة وهذا الذي أمامي يغدرني ليلا ونهارا وهذا الذي أمامي قد وشى بي إلى كثير من الناس ومن البشر فهو ليس أنا وهو ليس إلا خليطا أو مزيجا من حضارات متعاقبة تعاقبت على وجهي فهنا تحت عيوني رقد المخبرون ومن هنالك هجم التتار ومن تحت عنقي خرج المغول ودحرجوني على ضفاف دجلة واغتصبوا تاريخي وهنا بين عيوني سكن الأمويون ومن هنالك كان السريانيون يبحثون عن الحب والرومانسية فوجهي قد تعاقبت عليه الحضارات وأنا الآن أصبحت رمزا أثريا ولكنه رمزا مُهملا أهملته الدجولة وعبثت فيه القوانين وتاجر بعذابه القوادون والزعران.
وجها ليس بوجهي ولكنه يشبهني في كثير من الملامح فاقتربتُ من المرآة ووضعتُ وجهي على شعر رأسي فرأيتُ كثيرا من اللون الأبيض المنتشر في رأسي ورأيت ممرات صعبة ووعرة في وجهي مرت مع مرور الزمن ورأيت محطات كنت قد توقفتُ عندها عدة مرات في حياتي وكادت الدمعة أن تسقط من عيني حين عرفتُ بأن الذي يقف أمام المرآة من الممكن أن يكون أي رجل آخر ما عدى أن يكون أنا, فهذا ليس أنا, وتلك العلامات ليست علاماتي وتلك الخدود ليست خدودي وتلك الوجنات ليست وجناتي, أنا لستُ أنا أنا أشبه نفسي كثيرا أنا أشبه ذاك الرجل الذي يقف أمام المرآة ولكنه ليس أنا فأنا قد تغيرت كثيرا وأنا قد ولدت كثيرا أكثر من عشرين مرة في حياتي وفي كل لحظة أو في كل مرة أولد فيها أشعر بأن ملامحي قد تغيرت جدا, فمثلا من يوم عرفت (نانا) تغيرتُ كثيرا فقد ازداد الألم واتسع الجرح أكثر مما كان سابقا ومن يوم عرفت الحوار المتمدن تغيرت كثيرا فما عدتُ أنا أنا وما عاد الوجه الذي أراه في المرآة أمامي وجهي وصدقوني لو كنتُ وحدي في المنزل لخفتُ كثيرا من صورة الوجه الذي أمامي في المرآة فهذا الوجه أصبح مرعبا بعض الشيء غزاه الشيب وغزته المخابرات وآذته الناس وآذوه الأصحاب والأصدقاء وكل الذين آذوا وجهي ما كانوا في يوم من الأيام إلا أقربائي وإخوتي وأخواتي الذين يأكلون معي على طبق واحد ومن نفس الصحن ولم يؤذني في يوم من الأيام انسانا غريبا عني بل كل الذين آذوني هم من أقربائي في الدم فهؤلاء هم والأيام الذين ساهموا بتغيير شكلي وملامحي , فمنذ متى كان لي أنفاً كبيرا؟ ومنذ متى كان لي وجهاً شاحباً! ومنذ متى كان لي قلبا جريحا وعينا تدمع ورجلا ويدجا ترتجفان من الخوف ومن الفزع, هذا الشكل الذي أمامي ليس شكلي وهذا الوجه ليس وجهي وهذا البيت ليس بيتي وهذا المكان ليس مكاني.. أين ذلك الفتى الذي كانت الصبايا يرسلن له بالرسائل لخطبتهن وأين ذلك الفتى الذي كان يقول للأعور أعور في عينه, وأـين ذلك الزمن وأين تلك الديار , هذا اللون ليس لوني فأنا أبيض الوجه بل وشديد البياض والشمس هي التي أدت إلى اسمراره وأقسم لكم بأن تلك الملامح ليست ملامحي ومع ذلك لا أستطيع نكرانها فالوجه ليس وجهي ولكنه على الأقل يشبهني أو أنه على الأقل قد فارقني واستبدل نفسه بوجه آخر وبلون آخر.
وأخيرا أصبحت مسجلا خطرا على الأمن والنظام الأردني.
وأخيرا أصبحت خطيرا, هذا الذي ما كنت يوما أحلم فيه أبدا, فلم أتمنى طوال حياتي أن أكون خطيرا يخاف من ذكر اسمي طلاب المدارس وطلاب الجامعات الذين إذا فتحوا على أي مقال لي وشاهدهم أحد الزملاء يعتذرون وهم يقولون (بالخطأ ..خطأ غير مقصود), وأخيرا أصبحتُ خطيرا على وحملا ثقيلا على أجهزة الأمن في بلدي.
وأخيرا أصبح مُهربي الدخان وتجار الحشيشة هم رجال الدولة وأصبح المتهمون بقضايا الفساد سفراء دولة والذي كنا نشاهده في التلفزيون وما يحدث في المسلسلات والأفلام أصبح أمامنا حقيقة فهؤلاء الناس لا يشكلون أي خطر على نظام الأمن في الأردن ولا يشكلون أي تهديد لأمن المواطن الأردني , ولكن أنا وحدي من أبح خطرا على أمن الناس واستقرارهم وكتاباتي تشكلا لي موقدا في النار يوم القيامة لدرجة أنني قبل يومين تعرضت لتلطيش كلام من قبل بعض الناس حين قالوا لي (ما أغنى عنه الحوار المتمدن وما كتب وسيصلى نارا ذات لهب)….وأخيرا صارت الأفخاذ تحكم وأخيرا أصبح كل من يشتم بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان رجلا ثمينا من رجالات الدولة الأوفياء وأصبح كل قائد فرقة مرتزقة رجلا يُنصب له تمثال في وسط البلد إحياء لذكراه , وأخيرا أصبح المجرمون واللصوص وجهاء عشائر يحكمون ويرسمون ويخططون لمستقبلنا , كل تلك الأمور جعلتني أعرف لماذا أنا وأمثالي من الأردنيين أصبحنا خطرا على النظام الأردني الحاكم.
أنا قبل ذلك لم أكن أعرف إلا حين عرفت أيضا بأن لكل رقاصة في الأردن ولكل عاهرة في الأردن رجال يفدونها بالثروات الوطنية فعندها فقط تأكدت لماذا أنا مُسجل خطر على أمن الوطن والمواطن , لقد حصلت معي قصة قبل شهر على الأقل غريبة من نوعها فلم أكن أعرف أنني رجل خطير إلى هذا الحد إلا في ذلك اليوم ,فقبل شهر التقيت بصديق لي قديم جدا قِدم الإنسان الأول وبعد أن تبادلنا أطراف الحديث نادته أمه وهي في السيارة وسمعتها تسأله من هذا الرجل الذي نزلت من السيارة لتقف معه؟ فقال لها: هذا جهاد العلاونه كاتب دائما أسمع عنه وهو صديقي من أيام الدراسة الإعدادية, فامتعضت الأمُ غضبا واحمر وجهها وقالت له: مش قلنالك مليون مره ما بدناش هيك أشكال..لا تحكيش معه.. أنت مش عارف إنه هذا تبع سياسة ومخابرات ومسجل خطر, ولم يدرِ صديقي بأنني أتمتع بقوة سمع عالية جدا ولست أدري أيضا ما الذي لم يعجبها في شكلي ومنظري حين قالت له (هيك اشكال) , فودعني وهو يقول: الحجه تعبانه بدها اتروح على الدار وتاخذ دواء بشوفك بعدين بدي أروحها على الدار.
أنا خطر؟.
لماذا أنا خطر؟ ولماذا لا أسمع الناس يحذرون أولادهم من عدم الاقتراب من بيوت المتهمين أو من بيوت الذين عليهم إشاعات كبيرة بالفساد؟
أنا؟أنا ؟أنا خطر!!؟.
خطر على من؟
ومن الذي يقرر بأنني خطر؟
هل أنا مثلا سلك كهربه عريان؟
أم أنني مثلا لُُغم أرضي!.
هل أنا ماتور سيارة امكشنت؟ أو بربيش غاز مخزوق.
لماذا أنا خطر؟ ولماذا يتجنب الأردنيون حتى من رد السلام عليّ, ولماذا كلما جاء ذكر اسمي على ألسنة الناس يقف رجلٌ بين الناس وهو يقول (لا اتجيبوش طاري اسمه على ألسنتكم حتى لا تتنجسوا) ولماذا كلما جلس شخص بقربي يهرب مني فزعا مذعورا مني وكأنني أفعى الأصلة أو كأنه فر من حيوان مفترس؟!! أو كأنه فر من قسوره؟.
هل أنا مخيف لهذه الدرجة؟
وهل أنا خطر على النظام الأردني لدرجة أنني ممنوع من دخول أي قاعة نشاط ثقافية؟ لماذا كل هذا الخوف مني؟ أنا لم أؤذي أي إنسان في حياتي ولم أشتم أحدا ولم أبصق حتى في وجه السكين المرفوعة في وجهي؟.
لماذا أنا خطر؟ ولماذا أنا خطير,ولماذا كل الناس يترددون على زيارة بيوت المهربين وبائعي الحشيشة والحراميه واللصوص والقوادين والعاهرات ولا أحد يعتبر تلك الأمكنة خطيرة؟ لماذا بيتي أصبح خطيرا على الأمن والنظام السياسي الأردني , لماذا أنا أصبح اسمي مثل اسم انفلونزا الطيور؟.. ..هل جريمتي هي التفكير ..ولماذا بلغت هذه الدرجة من الخطورة حتى للنساء عاملات المطابخ في بيوت أزواجهن ؟ هل مثلا لأنني قلت: على المرأة العربية التي تقبل بوضعها أن تفرش فرشتها في المطبخ لكي تنام بدل أن تفرشها في غرفة النوم؟ لماذا أنا خطير؟ هل لأنني أهوى الطيران بحرية كما تطير العصافير؟ ولماذا أنا خطير جدا ولماذا تعتبرني المخابرات الأردنية رجلا لا يستحق أن يشارك في بناء مؤسسات المجتمع المدنية, إن دعوتي يا أصدقاء ليست ارهابية؟ أنا لست ارهابيا أنا فنان مبدع في الحب وفي الرومانسية لم أحمل طوال حياتي بندقية ولم أكبس على زر إطلاق القنابل الجرثومية حتى أنني أخاف من سكينة المطبخ كلما رأيتها أمامي أصيح بأعلى الصوت : أبعدوها عني..أبعدوها عن وجهي وعن متناول يدي, حتى أنني لا أصلح لحملها ولا أصلح لأن أقشر بها حبة برتقال ودائما ما تقول أمي لي كلما رأت السكينة بيدي وبيدي الأخرى حبة برتقال أريد تقشيرها : هات السكينه هسع ابتجرح حالك مثل كل مره , وحتى على مستوى شفرة الحلاقة حين أمسكها بيدي ترتجفُ يدي منها ذعرا وخوفا , فهل الذي مثلي خطرا ؟..أنا لست رجلا يجوب الشوارع ليلا وهو يؤذي في الناس ,صحيح أنني لست ملاكا ولكنني بنفس الوقت لا يمكن أن أكون مجرما, لماذا يتجنب الناس الجلوس إلى جواري كلما دخلت مكانا رسميا ؟إن رائحتي ليست كريهة وفي كل يوم استحم مرة أو مرتين فلماذا أذن يقوم كل من أجلس إلى جواره وكأنني حاوية أو برميل زبالة, لماذا يخاف غالبية أهل حارتنا من أن يدقوا باب داري أو من أن يدقوا على موبايلي حتى أي معارض سياسي أردني لدرجة أن النقابة المهنية اعتذروا عن موعد استقبالي لإلقاء شعر سياسي , هل أنا مثلا خطرا على النقابات المهنية؟.
مطلوب مرتزقة
لست أنا صاحب هذه الدعوة أو هذا الإعلان لأن أصحابه هم الذين يريدون استبدالي بالمرتزقة فمطلوب مرتزقة لإدارة البلاط الملكي والجمهوري, ومطلوب في الأردن مرتزقة لتنظيف شوارعنا من الجرذان والفئران , ومطلوب مرتزقة في كافة الدول العربية لتنظيف الشعب العربي من القمل والسيبان ومطلوب مرتزقة من أجل إبادة المحتجين والمهلوسين والمفصومين..مطلوب مرتزقة مأجورين في الأردن واليمن والبحرين لتصفية الخلافات بقوة السلاح بين الأنظمة الفاسدة وبين الشعوب العربية فلا تدع الفرصة تفوتك إذا كنت فنزوليا مثلاً أو صوماليا , ومطلوب محاموا دفاع مرتزقة يحامون عن اللصوص والحرامية والمفسدين بعد أن أصابت عقلنا لوثة التغيير,فنحن نطالب بتغيير الحُكام والحكام يطالبون بتغيير الجنود ومن المحتمل أن تطلب النساء أزواجا مرتزقة..ومطلوب مرتزقة في كل مكان نزرع فيه وردة أو زنبقة مائية, ومطلوب مرتزقة للتلفزيون الأردني يقدمون نشرة الأخبار دون أن يعرفوا من أين تأت تلك الصور من إربد أم من عمان التي تدعي بأن الأمن مستتب .. ومطلوب مرتزقة لرؤساء الجمعيات والمنظمات الحقوقية,فلم يبقى أمام الأردنيين إلا سنة واحدة حتى يشاهدوا إعلانا تلفزيونيا أو منشورا معلقا على أبواب كل سفارة أردنية في أفريقيا مكتوب عليه: مطلوب مرتزقة أو مطلوب مجندين تجندهم الدولة في الجيش الأردني, لا تضحكوا يا أصحابي ولا تستغربوا ولا تتعجبوا فهذا ملك البحرين يطلب مرتزقة في جيشه وها هم أهل أو شباب حارتنا مستعدون للذهاب وللقتال إلى جانبه صفاً واحدا مثل أسنان المشط لكي يحمونه من البحرينيين فكافة رؤساء وملوك الدول العربية أصبحوا يشعرون بأنهم قد انكشف سرهم وافتضح أمرهم واكتشف المسئولون البحرينيون بأنهم ليسوا بحرينيين واكتشف الأردنيون صُنّاع القرارات به بأنهم ليسوا أردنيين أو بأن الشعب الأردني ليس أردنيا لذلك الحل الأخير هو بالمرتزقة وهذا العمل لا يقل عن عمل ألقذافي الذي تشترك في قواته كافة أنواع المرتزقة, ونحن والبحرين واليمن كله على نفس الطريق والنهج والاختيار فالطريق إلى إخماد الثورة واحدة وصيحة الحق لم تعد تفيد أي نتيجة حين ينادي الشعب الأردني أن (أنقذوا الثورة يا رفاق) وغدا ستقولون بأنني صادق حين تنزل للشوارع في عمان قوات (الباشمرغا) لقطع طريق المطار على المتظاهرين أو لقطع الطريق إلى الدوار الخامس أو لقمع تظاهرة نسائية أو عمالية أو لقمع مظاهرة تطالب بتعديلات دستورية ولم يبقى أمامنا إلا شهور حتى نصطدم في شوارعنا مع المرتزقة السودانية والصومالية والأثيوبية والنيجيرية,وأنا أتخيل نفسي في وزارة الثقافة الأردنية أطالب بدعمي لنشر كتاب لي وأكاد أن أرى نفسي وأنا مرتمي على الأرض ورجال صوماليون ونيجيريون يجرونني ويشحطوني وهم ممسكون بملابسي على الأرض في ممرات الوزارة .. وسيبني الأفريقيون في عواصمهم ناطحات السحاب وسيجنني المرتزقة خيرات الوطن وسيبنون في بلدانهم قصورا من جماجم أطفال اربد وعمان والزرقاء والسلط , فالأردنيون انتهوا ولم يبقى في الشارع أي أردني أو فلسطيني أو شيشاني أو شركسي أو سوري فحتى هؤلاء لن نجدهم إلا في وضع نضالي معنا يطالبون بما نطالب به, أي والله زادوها اكثير, ومن لا يصدق فلينزل للشارع ليشاهد أولا العمالة الوافدة التي تعمل بمحل العمالة أو اليد العاملة الأردنية فأنا أكثر من 100 مرة طردني المصريون من الورش التي أعمل بها , فهذا من البداية على المستوى المهني وحقوق العمال وشيئا فشيئا سوف يتحول المرتزقة من العمل في الورش والدكاكين الصغيرة والكبيرة إلى الجيش ليحملوا على الشعب الأردني الكلاشن كوف ولسوف يمتلئ الجيش الأردني بالمرتزقة من كافة الدول الأردنية ولسوف يتم تسريح الطيارين الأردنيين واستبدالهم بطيارين من سلاح الجو التشادي .
ومطلوب في وطني الأردن عملاء من كافة الجنسيات ما عدى الجنسية الأردنية ومطلوب جواسيس من ذوي الخبرات والكفاءات العالية والسمع القوي والبصر الحاد ولو كانت تتوافر بي تلك الشروط لتقدمت من الآن لأشغل منصبا مهما ولكن مشكلتي أن سمعي قوي ولكن جنسيتي أردنية وهذه بحد ذاتها تهمة سيعاقبني عليها النيجيريون يوما ومشكلتي أنني نظيف وأحمل الجنسية الأردنية ووطني قد زهق ومل من كثرة الشرفاء والأوفياء وأنا أمي أردنية وأمها أردنية وأبي أردني وأمه أردنية وهذا أهم عائق يعيق تقدمي في كافة مجالات الحياة فكلهم يقفون ضدي لأنني أردني لا أساوم على القضايا الوطنية الأردنية ولا أقبل بأن أبيع شبرا واحدا من أرضه ولا يمكن أن أتخلى عن شعاراتي الأردنية فأنا مشكلتي هي أنني أردني ولو كنت سوريا أو عراقيا أو شركسيا أو شيشانيا لأصبحت أهم رجل أردني على الإطلاق , ولكنني أنصح أصدقائي الذين لا يحملون جنسية أردنية بأن يأتوا إلى الأردن لكي يعملوا في أمانة عمان براتب 10 آلاف دولار أمريكي ومطلوب كُتاب مرتزقة في أعمدة الصحف اليومية وعمال مرتزقة من كافة الجنسيات شرط أن لا يكون المتقدم أردنيا, ومطلوب سفاحين دماء وسفاكين وحشاشين قتل وحشيشة, ومطلوب في الأردن مرتزقة ليحموا النظام الأردني من الشرفاء والأدباء والمثقفين ومطلوب في الأردن مرتزقة من كافة الجنسيات فمن تتوافر به الشروط عليه مراجعة أقرب سفارة لديه في بلده والشرط الأساسي الذي يجب عليه أن يتوافر في المتقدم هو أن لا يكون أردنيا.
والمرتزقة المطلوبين في الأردن مطلوبون من أجل أن يتملكوا العقارات والصحف والوزارات وأن ينصبوا المشانق والمقاصل للأردنيين, ومطلوب فنزوليين وأثيوبيين ورجال أشداء من أفريقيا, ومطلوب كوبيين وأستراليين ومجانين من كافة أصقاع الأرض المسمومة بالعنصريات, ومطلوب في الأردن أطباء مرتزقة وقوات جيش وعساكر وضباط مخابرات واستخبارات من كافة الجنسيات المتوحشة والبربرية التي لم تسمع يوما بكلمة حرية, ومطلوب مخبرين سريين ومخبرين علنيين لأن الأردنيين لا يمكن الوثوق بهم.
هل أنا مثلا خطر على الديوان الملكي أو على النظام الملكي الأردني؟ هل من المعقول بأن الدبابة والطائرة والمدفع والصاروخ الذي يسيطر عليه النظام الأردني الحاكم , هل من المعقول فعلا أن كل تلك الأسلحة الفتاكة تخاف من قلمي أو من صوتي أو من رائحتي؟ لماذا النظام الأردني يعطي أوامره بضرورة إبعادي عن ساحة العمل السياسي والثقافي هل لأنني أريد مثلا أن آخذ مكانه ؟ لماذا كل هذا الخوف مني عِلما أنني أخافُ من صفير خشومي كما يقولون فلماذا يخاف مني معاليم المدارس وأساتذة الجامعات في الأردن ولماذا يهرب مني الأقارب والأصدقاء, هل أنا مجرم خطير إلى هذا الحد الذي يجعلني مكروها بين الناس.
وضعي الصحي والنفسي والعاطفي والسياسي والثقافي ليس غريبا عنكم, فرغم أنني ولدتُ في الأردن غير أنني أشعر بأنني في الأردن مواطن مصري أو هندي أو باكستاني أو سوري أو عراقي فطوال عمري وأنا لا أشعرُ بأنني أردني على الإطلاق, ووطني غريب الأطوار فهو يبيع الموعظة ولا يشتريها ورغم أنني أمشي الحيط الحيط وأقول يا ألله الستيرة غير أن وطني يصر على الفضيحة وعلى كشف المستور والمستخبي ومصر على ثقب السفينة ليغرق كل من فيها ,ورغم أنني صامت ولا أنطق بأي حرف غير أنه يجبرني على اطلاق صوتي ورفعه في كل الحارات ,بكل ما أوتي من رجال أشداء على قهري وتعذيبي وإرسال الجواسيس ورائي أينما أذهب لكي يفتح في أعماقي جوا مشحونا بالأمراض النفسية, فأنا أخاف اليوم من النوم وحدي وأخاف من المشي في الشوارع وحدي وأخاف من ركوب السيارات وحدي, وأنا أخاف.
من أهم وأعظم منجزات قادتنا العرب أنهم أوجدوا في كل مدينة وقرية وحارة وبيت جاسوساً يعمل لحساب الدينار الأردني وليس لحساب الوطن والشرف والأمانة , وجاسوس حارتنا ليس غريبا عنا كبعض الحارات الأخرى , ففي الدول الأخرى لا يقبل رجالها ونساءها بأن يكونوا جواسيس على أهلهم وجيرانهم وأصدقائهم إلا إذا كان الجاسوس دخيلا قادما من حارة أخرى وهذا بعكس جاسوس حارتنا الذي هو أصلا من صلبنا ومن دمنا ولحمنا وهو الذي لعب بيننا طفلا صغيرا وهو الذي يأكل معنا على طبق واحد ومن نفس الصحن وهو الذي يشرب من نفس الماء الذي نشرب منه.
أما أهل الحارة جميعا وأنا منهم لا ينزعجون من الجاسوس الذي يعيش بيننا فأهل حارتنا أذكياء جدا فأحيانا يتخذون من الجاسوس بوقا أو مسنجراً لإيصال رسائلهم إلى الدولة والحكومة وإلى فوق فوق فوق, فإذا غضب أحٌد من أهل حارتنا غضبا شديدا على الدولة فإنه يقف في الحارة وهو يترقب أن يخرج الجاسوس من منزله وحين يصير وجها لوجه معه فورا يبدأ الرجل الغاضب بشتم الحكومة وسبها ولعنها, طبعا ولا أحد يستطيع أن يقول للجاسوس ما الذي سيفعله في مثل هذا الموقف لأنه وحده يذهب إلى الحكومة فيخبرهم بأن فلان الفلاني ابن فلان الفلاني والذي أمه اسمها كذا كذا كذا يسب ويشتم بالحكومة وبالنظام ومن ثم يقول (استغفر ألله العلي العظيم الناس صاروا كفار), طبعا والنظام يكافئ الجاسوس على مهنته وعلى شرفه, ولكن في الجاسوس عادة سيئة لا يحبها أي أحد وهذه العادة ليست التجسس فالتجسس كلنا معتادون عليه وهو أمر طبيعي وجوده في حارتنا مثل وجود العين أو الأذن أو اليد في الجسد, ولكن العادة السيئة التي لا يحبها أحد هي أن الجاسوس كلما رأى الناس راضين عن النظام الحاكم وعن الدولة ينزعج جدا لأن هذا معناه أن وجوده وعدمه واحد فيعمد الجاسوس إلى تأليف تقارير تأليفا ليس صحيحا فيقول بأن (عبود) يسب بالحكومة وبالنظام الحاكم رغم أن عبود راضيا عن النظام ولا يسبه, ومن ثم يبدأ بتأليف سلسلة أخبار عن الناس وعن المتحدثين بالسياسة وعن غير المتحدثين بالسياسة وبفضل تأليفه للتقارير السرية أصبح كل أهل حارتنا أعداء من الدرجة الأولى للنظام وأصبح النظام عدوا لهم من غير أي مبرر.
طبعا وأنا نفس الشيء كلما تضايقت أو كلما شعرت بالجوع أقف في الحارة منتظرا خروج الجاسوس من منزله فأبدا برفع صوتي وأنا أقول (حكومة كرخنجية وعكاريت) والغريب في الموضوع أنه من النادر أن يلتفت الجاسوس إلى كلامي فأستغرب منه ومرة قلت له: يا زلمه ليش أنت لا تقوم بإيصال رسائلي للحكومة وللنظام؟ فرد عليّ قائلا: رسائلك كثيرة وهي بحاجة إلى عشر موظفين لقراءتها وهم يعرفون عنك كل شيء وزهقانين من سوالفك.
أما بالنسبة لأهل حارتنا فإنهم أحيانا يغيظونني إذا كانوا مثلا راضين عن الحكومة أو عن الحياة وعن أنفسهم بشكل عام , وأي رجل أو أي شخص أو أي جندر راضيا عن الحكومة فورا يتحين فرصة خروجي من الدار فيقف أمامي وجهاً لوجه داعيا ألله العلي القدير أن يمد بعمر النظام وبأن يحفظه من كل سوء وخصوصا من الجواسيس, وحين يصل لكلمة الجواسيس فورا يبدأ النظر في وجهي وكأنه يعنيني أنا بكلامه فأضحك وأقول : عادي بكره بس يزعل من الحكومة بصير يقول (جهاد العلاونه أشرف رجل في حارتنا).
المحاور : كتابات ساخرة
حالة النشر: الموضوع جديد ومرسل بشكل خاص وفقط إلى الحوار المتمدن ولن يرسل إلى موقع آخر
التعليق والتصويت: السماح بالتعليق والتصويت
مطلوب طبالين
أولا وقبل كل شيء من الممكن أن تطلب الحكومة مزغردات أردنيات يزغردن لكل رئيس حكومة فالتي ترى في نفسها القدرة على الزغردة والمهاها كما يقولون فلتتقدم لعضوية مجلس النواب الأردني وذلك ليس على نظام الكوتا بل على نظام الراقصة والطبال…وأنا شخصيا مشكلتي الأولى تنحصر في أن صوتي لا يطرب له أحدٌ غيري أنا,فلا الملوك ولا رؤساء الجمهوريات العربية يطربون له ولا أحد يقول لي وأنا أرقص وأغني (رقصني يا جدع) حين يستمع إلى صوتي, ولم يقل لي أي رئيس حكومة في أي يوم من الأيام (هزي يا نواعم) وأنا أرقص له , ذلك أن مشكلتي مثل مشكلة الشاعر الأموي (عمر بن أبي ربيعة) حين طلب منه الخليفة أن يمتدحه في قصيدة شعرية فأجابه قائلا: أنا أمدح النساء ولا أمدح الملوك, إن النشاز واضح في قفلة كل مقام أغني عليه, والطبلة التي يبحث عنها الملوك العرب ورؤساء الجمهوريات لتطبل خلفهم ليست معي وليست بحوزتي , فمقام البورصة أواجه في تقليده صعوبة ومقام القمع والارهاب لا استطيع أداءه على الإطلاق ومشكلتي الثانية أن تخصصي الثقافي عير مطلوب فأنا لا أملك مهارة كافية للعزف على الطبلة كلما خطب رئيس الحكومة أو كلما أصدر قرارا وزاريا, ولا أملك في بيتي ملابس للرقص لكي أرقص لرئيس الحكومة كلما أصدر قرارا أو كلما ألقى خطابا سياسيا , ولا حتى استطيع أن أُغني له لكي ينام نوما هادئا بعد كل وجبة دم يمتصها من عروقي , فأنا لم أدرس علم موسيقا العزف على أنغام لحن الصمود الأخير في وجه الحرية والتعددية الحزبية , والمشكلة الثالثة أن النظام الأردني لا يطرب إلا لصوته هو ولا يرقص إلا على إيقاعاته هو , ولم أكن أعلم في أي يوم من الأيام بأن مهنة الطبال مطلوبة في كافة الحكومات العربية وخصوصا مجلس النواب الأردني الذي كنت أعتقد بأن مهنة السياسي أو المثقف أو المُحاور هي التي تجعل من الناس نوابا ووزراء وكنت أعتقد بأن مهنة المثقف هي التي توصل صاحبها إلى السلطة لذلك أضعت عُمري وأنا في أحلام اليقظة أقرأ وأثقف نفسي عن فنون الحكم وكيف لي أن أبني نظاما حاكما يجعل المواطن يعيش في دولة الرخاء والرفاهية,وأكثر من سنتين وأنا أقرا في فلسفة هيغل وكانط وفي كتب النحو والصرف العربية وكذلك خمس سنوات من عمري ذهبت هكذا سُدا وأنا أقرأ في الفكر العربي, لقد أحسستُ اليوم بأن عمري كله ذهب هباء منثورا وبصراحة أعترف بأنني كنت مجنونا مثل (دون كيشوت) وكنت مثل نزار قباني أطارد طوال العمر خيط دخان ولو قالوا لي في المدرسة بأن التطبيل والتزمير هو وحده الذي يحقق مع الأنظمة العربية النتائج لتدربت على التطبيل ولأصبحت (أخو امطبله) فلو كنت فعلا أعرف ذلك لاشتريت طبلة بدل أن أشتري كتابا اقرأه , وفعلا لو كنت أعلم بكل ذلك لتدربت للعزف على مزمار كل رئيس حكومة أردني بدءا من أول رئيس حكومة وانتهاء بآخر رئيس حكومة ,والآن فات بي الفوت كما يقولون وتعليمي أصبح صعبا جدا للعزف على كل تلك الآلات بدءا من الطبلة وانتهاء بالمزمار وبالأورج .
وأعترف بأنني كنت طوال عمري مخطئا جدا , فالسياسي غير مرغوب به في بلادي والمثقف غير مرغوب به وكل الذين يصلون إلى الدولة والنظام معظمهم من فئة المطبلين والمزمرين والراقصين والراقصات على الكوتا , زد على ذلك لو كنت مثلا (أخو وحده امطبله ) كما يقولون لشبعت على الأقل من الخبز..
وفي ظل هذه الظروف العصيبة لا يستطيع النظام الأردني الحاكم أن يطرب على صوت مقالاتي أو أغنياتي أو كلماتي, فأنا كلماتي تسبب له وجع في الرأس وصداع الشقيقة وأنا مقالاتي تسبب للنظام الأردني الحاكم ارتفاعا في ضغط الدم وتسبب السكتة القلبية أو الدماغية لذلك في هذا الوقت بالذات أنا غير مرغوب به وتخصصي غير مطلوب إلا في الدول التي تحترم أنظمة الحكم فيها الإنسان المثقف والإنسان الشاعر والإنسان الفنان أما في الأردن فلا أحد يحترم الكتاب ولا أحد يحترم الثقافة ولا أحد يحترم الأحرار لذلك مطلوب لمجلس النواب الأردني طبّال يطبل للحكومة أينما ذهبت أو كلما اتخذت قرارا يضر بمصلحة الوطن والمواطن الأردني, ومطلوب لمجلس النواب الأردني زمّار يزمر لكل رئيس حكومة يأتي لنيل الثقة, ومطلوب لمجلس النواب الأردني رقاصات يرقصن على صوت إيقاعات الطبلة والمزمار, ومطلوب لمجلس النواب الأردني عازف يعزف لرئيس الحكومة إذا دخل المجلس ويعزف له إذا خرج من المجلس, ومطلوب مع كل ذلك فرقة تزف رئيس الحكومة كلما دخل الوزارة وتزفه كلما خرج منها إلى بيته وليغنوا له (طلع الزين من الحمام بعيط بده شمام) ومطلوب لمجلس النواب الأردني مصفقين يصفقون للحكومة ولكل القرارات التي تضر بمصلحة الوطن والمواطن الأردني, ولو كنتُ طبالا أو رقاصة لتقدمت بطلب رسمي لرئيس الحكومة لكي يتم تعييني في انتخابات مزيفة وغير نزيهة في مجلس النواب, فإن رأيتَ في نفسك يا عزيزي القارئ طبالا جيدا فأنا أنصحك منذ هذه الساعة للذهاب إلى مجلس النواب الأردني فهنالك رئيس الحكومة الأردنية يطرب على أصوات المطبلين والمزمرين والراقصين والمصفقين, وبالنسبة للشهادات ما عليك إلا إحضار شهادة الطبلة.
قبل كل شيء:هنالك وجبة طعام جديدة لكل فرد من أفراد هذا العالم اسمها (وجبة الحرية) يجب أن يتذوق طعمها كل إنسان, وهنالك اكتشاف جديد اسمه الحرية, ويجب أن يقول الناس للزعماء وللملوك العرب بأن هنالك علم جديد واكتشاف جديد اسمه الحرية, هذا الاكتشاف الجديد أبح مع كثرة المطالبة به دينا جديا أرسله ألله إلى الناس كافة,ويقال : بأن الديانات من مخترعات أو من مكتشفات الشرقيين وهي معجزة الشرق الوحيدة, ويقال بأن الفلسفة من مخترعات اليونانيين وهي معجزة اليونانيين الوحيدة, ويقال : بأن أهم القوانين المدنية والعصرية هي من مكتشفات الرومان والرومانيين , ويقال : بأن الكهرباء هي أهم اكتشاف أو أهم اختراع على وجه الأرض هي والبترول , وفي غمرة كل ذلك غاب عن أذهان الناس بأن هنالك علم جديد اسمه الحرية وبأن هنالك فن جديد اسمه الحرية وبأن هنالك عقل جديد اسمه الحرية وبأن هنالك دين جديد اسمه دين الحرية وهو آخر ما توصلت إليه البشرية وهو آخر منجزات ألله على وجه الأرض بعد أن أعد له الرب المجتمع المدني لهضمه واستقباله ذلك أن دين الحرية يحتاج إلى مجتمع مدني وإلى إنسان مدني لاستقباله وليس بحاجة إلى مجتمعات من القرون الوسطى يتقيئون أول لقمة يأكلونها منه .
إن آخر الأديان لم يكن من مخترعات الشعوب الشرقية, فهذه المرة لم يرسل ألله بملائكته إلى رجل عربي أسمر اللون يجلس في مغارة أو في كوشك شعبي في شارع أو في زقاق حي شعبي من أحياء القاهرة أو عمان أو الرياض ,بل اختار لرسالته الجديدة وهي رسالة الحرية رجلا أشقر اللون مولود في أمريكيا لدعم الحريات العامة وإطلاق سراحها من يد الزعماء والحكام الفرديين الشرقيين الذين لا يوجد لهم أي بديل في كافة العواصم العربية, بل بلغت الجرأة بأولئك الحكام الذين سقطوا والذين ما زالوا ينتظرون السقوط بأن يقولوا أو بأن يعتقدوا بأن الله لم يخلق مثلهم وبأن ألله قادر على حرق مليار عربي وعلى قتل ملايين العرب من أجل أن يبقى هؤلاء السَدَنة وهم ما زالوا على عاداتهم القديمة وعلى أيمانهم القديم بالله أيام كان ألله يقتل جملا من أجل أن يأكله رجلٌ واحد أو كما يقال (بكسر ساق جمل عشان يوكل "واوي") فهذه المعتقدات الدينية لم تعد صالحة وهذه الأنظمة القديمة ما عادت صالحة أو ما عادت تصلح لقيادة الشعوب العربية, إن آخر دين أنزله الرب يا أصدقائي على الأرض لم يكن مولود النشأة في صحراء سيناء أو ضفاف دجلة والفرات, بل كان هذا الدين قد ولد في الجزء الغربي من العالم المتحضر هذا اليوم, في قارة أوروبا, وقارة أمريكيا, تلك القارتين كانت تغطيهما طبقة من الجليد أيام كان ألله في كل يوم يرسل بنبي جديد وبدين جديد ومن الظاهر ومن المعلوم جيدا من خلال تصرفات الملوك والرؤساء العرب أنهم لا يعرفون بأن ألله قد نسي الخط العربي وبأنه صوّب أنظاره أليوم نحو عِلم ٍجديد اسمه (الحرية) وبأن هنالك مكتشف جديد اسمه أيضاً (الحرية) وبأن هنالك هدف جديد للإنسان اسمه زيادة سقف أو رفع سقف الحريات قبل رفع سقف الإنتاج وتراكم الثروات بيد فئة قليلة من الناس لدرجة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد اشترطت على الجمهورية المصرية رفع سقف الحريات العامة وربطت الإدارة الأمريكية بين المساعدات وبين رفع سقف الحريات العامة , وهذا الاختراع الجديد أو الدين الجديد لم يصل بعد إلى مسمع آذان الحكام العرب بل أن هذا قد وصل مده من خلال الفيس بوك والشبكة العنقودية إلى قلب العواصم العربية , وملوك ورؤساء هذه العواصم ما زالوا على الدين القديم الذي وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم ولا يستطيعون تغييره لكي لا يغضب عليهم (الحجر الأسود) فيحل الخراب والدمار في ممالكهم, وهذا الاكتشاف العظيم لم يصل بعد إلى عقول وأذهان الملوك والحكام العرب,والحرية بحد ذاتها دين جديد أدى هذا الدين إلى زحزحة الأديان السماوية والوضعية نهائيا من أمامها وحطم دين الحرية الجديد كل معتقدات وكل أصنام وكل أوثان الديانات التي سبقت الدين الجديد وهو دين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية الحزبية والثقافية والتميُّع بين كل تلك المعطيات.
والحرية هي آخر ما توصلت إليه البشرية من مكتشفات ومخترعات, وهي آخر دين أحبه ألله وتبناه بكل مشاعره وبكل ما عنده من عواطف وهذا الدين الجديد يدل على أصالة الإنسان واحترامه لنفسه بل وتكاد أن تكون الحرية أهم مكتشف اكتشفه الإنسان على وجه الأرض, فالحرية واكتشافها واستعمالها هي أهم من اختراع الدبابة أو الصاروخ أو البترول والحرية أيضا اختراع أهم من اختراع الكهرباء أو قل أنها اكتشاف عظيم أهم من اكتشاف البترول والكهرباء وهي في الحقيقة إن لم تكن من اكتشافات الإنسان فإنها حتما ستكون أهم مخترع اخترعه الإنسان على الإطلاق منذ أن أصبح يهتم بالمكتشفات وبالمخترعات ويقال بأن كل الثورات والمخترعات ابتدءا من الأدوات الصوانية الحجرية وانتهاء إلى الآلات الميكانيكية كانت تحدث خارج وعي الإنسان وخارج بنية الإنسان النفسية والعاطفية والسيكولوجية أي أنها لم تكن مهتمة بالتعاطي مع حقوق الإنسان وكان هدفها الأساسي هو تحسين الإنتاج من خلال تحسين أدوات الإنتاج , ولم تكن التطورات تحدث مثلا من أجل زيادة نسبة الحرية أو زيادة سقف الحريات العامة, لأن الإنسان كان يعتقد بأن الهم الأول والأخير له هو الحصول على الأكل والشرب وهذا لم يكن يتحقق إلا من خلال تطوير أدوات الإنتاج من أجل زيادة الإنتاج ولم تكن قضية إطلاق يد الحريات العامة محط اهتمامات الإنسان المستكشف أو الإنسان المخترع الجديد, وكانت الديانات القديمة قبل أن يرسل أللهُ إلينا دينه الجديد مع كل ما أُتي الرُسل من ملائكة يحاربون معهم كانوا عاجزين كل العجز عن تقديم أو اعتناق دين الحرية بحيث كانت تحاول أن تقيم التطور داخل الإنسان ووعيه وبنيته الثقافية دون أن تكتشف أن بداخل الإنسان نزعة صوفية نحو الحرية, حتى جاءت أوروبا فاكتشف الله بأن في داخل الإنسان الأوروبي نزعة مدنية نحو الحرية وممارسة الحرية,وكانت الديانات القديمة تفشل في كل مرة بسبب توجه كل الجهود إلى تحويل الدين إلى أداة قمع حتى أنها قاومت العلماء والمخترعين وأحرقت من أحرقت منهم وعذبت وسجنت الديانات كل من كان يشكك بالعلاقة بين الشمس والأرض حتى أن (مارتن هانز لوثر) في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي, مؤسس البروتستنتية الاحتجاجية الأولى على سلطة البابا (ليو العاشر) قد اقترح إبادة العبيد الذين طالبوا بحريتهم من أمراء ألمانيا السكسونية , وكل من قال بأن حضارة زيادة الإنتاج وتحسينه لم تكن مهتمة بحقوق الإنسان وبنشر ثقافة حقوق الإنسان بات مخطئا جدا لأن تحسين أدوات الإنتاج والظروف المتعلقة بتحسين أدوات الإنتاج قد انعكست بشكل مباشر على حياة الإنسان.
ذهبتُ في نقاش معمق وكثيف مع رجل أكاديمي متخصص يشجع على الديكتاتورية وعلى تزوير الانتخابات في الأردن وفي كل مكان يوجد به إسلاميون وسألته , لماذا؟, فقال: في الانتخابات النزيهة سينجح الإسلاميون.
فقلت له مستغرباً: يا سلام!!.
فرد قائلاً: ما هو أنت كل كتاباتك ضد الإسلام وأنت أول واحد لا يريد الإسلام.
فابتسمت قائلا: بالعكس احنا العلمانيين الليبراليين بدنا الإسلام, ولكن لا نريد الإسلام أن يحكم لوحده مثلما أننا لا نريد من اتجاه واحد يمين أو يسار أن يمارس السلطة لوحدة, نحن نعترف بحق الجميع في تداول السلطة إسلام ومسيحيون ويهود واشتراكيون, نحن نريد من الجميع أن يكونوا إخوة شركاء وأن لا يكونوا غرباء أعداء, وما يفعله أو تفعله أنظمة الحكم العربية هو أنها تصنع أعداء ولا تصنع شركاء, فأنظمة الحكم العربية متطابقة فكريا مع الإسلام فالإسلام غير متفق لا مع اليهودي ولا مع المسيحي ولا حتى المسلم السني مع الشيعي ولا حتى معنا نحن الليبراليون , فالإسلام في هذا الأمر مثله مثل الأنظمة العربية الحاكمة التي تعادي الجمي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ